شيطان مصفد

صحيفة الهدف

عادل سيد أحمد

كان الخطأ الثالث الذي ارتكبته، قبايل العيد، هو أننيّ أحرقت طرف الملاية في الصالون بنار السجائر، حرقة خفيفة تكاد لا ترى بالعين المجرّدة، إلا إذا قصد أحدهم التمعن في تلك الملاية أو تقييمها، في حال لا سمح الله احتجنا لبيعها، ولكن هذا لم يكن وارداً، كما كان يمكن إخفاء الحريق أو الجانب المحروق بعكس وضع الملاية على السرير الوثير، ولكنه كان سبباً في إلهاب عواطف بثينة، وفتيلاً أشعل جام غضبها دفعة واحدة، وقاطرة جرّت وراءها أخطائي منذ اليوم الذي التقتني فيه حتى الآن:
– وعمرك ما عملت ليعمل فيهو الفايدة!
أو كما قالت.
وكان الخطأ الأوّل أنني كسرت الكرسي، الذي استخدمته بغباء كسلم، حتى أغير لمبة النيون المحترقة، في الصالة.
ونظرتُ لبثينة بقعر عيني، ولمحتُ بريق الغضب في عينيها، ولكني أدركت أنه في طور الكمون لا يزال… وتفاديّاً لموجة من الصياح والهرج، خرجت من الدار بدعوى الذهاب إلى السوق… وكان ذلك هو الخطأ الثاني، إذ أنني لم أذهب إلى السوق مباشرة، بل قضيت وقتاً طويلاً وشيّقاً في بيت العزابة من الجيرة القريبة لبيتنا… وعندما عُدت مساءً، سألت بثينة: (عن سبب التأخير وعمّا ابتعت لها من مستلزمات البيت؟) … ولكنيّ أخبرتها بالحقيقة، فزاد لمعان بريق الغضب في مقلتيها السوداوين… ولكنها مرّة ثانية آثرت الصمت.
ودلفت إلى الصالون، منتظرًا الطعام، أتصفح جريدة اليوم، وأدخن على مهل… فإذا بي أسرح وأخطئ الخطأ الثالث بحرق الملاية، ذلك الخطأ الذي أعطى بثينة مُبرراً كافياً للانفجار.
عنيّ أنا، فقد كنتُ أرى أسباباً وخلفيّات أخرى لذلك الانفجار، وكنت أرى أنه تسخينة ومناظر أفلام ومعارك طلبات العيد، كما أنه نابع من ضغوط الصيام، وضغوط أخرى حيوية، فرضها سوء الحال، الذي مع أنه بات يشمل الجميع، إلا أن بثينة كانت ترى إنها الضحيّة الأكثر تضرراً من الظرف المائل والحال الحرن.
وصمتُّ في مقابل هياجها، كالعادة، ولكنها أمعنت في إذلالي… وضخمت من حجم الأخطاء الثلاثة لتخلق منها حالة من جرد الحساب لعشرة سنين… وكلما صمتُّ: عيرتني بصمتي، وألهبتني بسياط لسانها الطويل.
وجربت الملاطفة، خارجاً عن صمتي مُكرهاً، لا بطل، ولكنها صبت صبَّت مزيداً من الزيت على نار فورتها وانفعالها:
– داير تستهبلني، يعني!؟
وخرجت مرّة أخرى من بيتنا لبيت العزابة، مبرراً لهم الارتماء في حضنهم مرتين، بأن المدام مشغولة بإعداد الخبيز مع ضيفاتها الجارات…
وتظاهرت بالنوم، وأنا أحسدهم على قدرتهم على اللهو والسمر.
وطفقت بانحياز كان ضدها، أُقوِّم عشرتي مع بثينة، وجدوى صمتي على شراستها واحتمالي ضيق أفقها، ورجعت بالذاكرة بحثاً عن نقطة التحوَّل التي اعترت بثينة من المسالمة والهدوء إلى هذا الحال الجديد من العدوانيّة وتأبُّط الشر… فارتدت الذاكرة وهي حسيرة.
ولكن، ومع إنيّ كنت أكره أبغض الحلال، ليس مراعاة لأولادنا وحدهم، وإنما احتراماً لتلك العشرة التي خسفت بها بثينة، قبل قليل، سابع أرض! رأيت أنه قد بات الطلاق الآن: أحسن الحُلول!
دلفت إلى دارنا بعد غياب ساعات، وكلمة (طلقانة) في طرف لساني!
وكأنما قرأت بُثينة القرار، ولمحت التصميم والعزم على أمر جلل من نظراتي، فقالت لي:
– خلاص إنتا أخدتا البريك (Break) بتاعك… أنا، الليلة دي، بايتة في بيت ناس أبوي…عسانا نقهر الشيطان!
ودون أن أشعر ضحكت بجزالة، وقلت لها مُمازحاً:
– خليك قبلِكْ، الظاهر الأيّامات دي الشيطان: (مُصفّد!) بالجد…!