
بقلم: ماجد الغوث
لا يمكن الفصل بين مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية العام 2005، وما تم في نيروبي العام 2025، من خراب وضياع للحكم المدني المستند إلى ثورة ديسمبر العام 2018، على يد قيادة القوات المسلحة السودانية والإسلاميين وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة، كلٍ يحمل أوزاره:
1- تلطيخ دارفور بالدم فيما عُرف بجرائم حرب الإبادة.
2- قمع احتجاجات انتفاضة سبتمبر 2013.
3- فض اعتصام القيادة العامة يونيو 2019.
4- القيام بانقلاب 2021 على حكومة ثورة ديسمبر.
5- الاشتراك في حرب 15 أكتوبر 2023.
ففي العام 2005 قرر مؤتمر أسمرا الآتي:
▪️اعتماد صيغة العمل المسلح لإسقاط نظام الحركة الإسلامية بديلاً للعمل الشعبي الديمقراطي.
▪️إدخال الحركة الشعبية لتحرير السودان وروافدها كجزء من ترتيبات مرحلة نيفاشا الجديدة
وذلك بعد أن تم تعديل بنود ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي الموقّع بين القوى السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية العام 1990، الذي أقرّ صيغة العمل الشعبي الديمقراطي، بالإضراب السياسي والعصيان المدني، وصولا للانتفاضة الشعبية، وذلك تحسبًا لخطورة العمل المسّلح الذي لاينجو من اختراقات المخابرات الإقليمية والعالمية.
وقد أبدى حزب البعث ملاحظات جدية وجوهرية على خرق بنود الميثاق من القوى الموقعة عليه، واتخذ خطوات عملية، بتجميد نشاطه، ومن ثمْ خروجه من تحالف التجمع الوطني الديمقراطي في العام 1993، وبدأ البعث في تأسيس تحالف سياسي شعبي بمفرده.
وبعد ظهور مقررات مؤتمر أسمرا، الذي انتخب الميرغني رئيسًا له، أصدر حزب البعث تعميمًا وبيانًا لتوضيح رؤيته، التي لخصها في أن مآلات هذا المؤتمر ستتطور بتقسيم السودان إلى مجموعة دويلات: دولة في جنوب السودان، ودولة في الوسط، ودولة في جنوب كردفان، ودولة في النيل الأزرق، ودولة في دارفور. وفي العام 2007 تشكٌلت ما تسمى بحكومة الوفاق الوطني التي اشترك فيها الجميع من حركات مسلحة وقوى سياسية، وأخذت تلك القوى نصيبها من كيكة السلطة بالتعيين لغاية حد المشاركة في انتخابات العام 2010، وعلى كل المستويات – عدا البعث – الذي ظل يعمل لوحده في مقارعة سلطة 30 يونيو. وجاء العام للتوقيع على بنود الاتفاق في مشاكوس الذي أقرّ صيغة حق تقرير المصير لجنوب السودان، ثم الاستفتاء في العام 2011، لينفصل الجنوب ويكّون دولة جنوب السودان، لتتحقق أول نبؤات وقراءات البعث للواقع السياسي وقتها.
ما حدث في نيروبي العام 2025، يسير وبشكل موازِ – بالقلم والمسطرة – وقد يفضي إلى فصل دارفور وجنوب كردفان بضربة لازم، وفق معطيات الماضي والواقع الراهن، حيث:
▪️ ظهور البرهان بديلاً للبشير.
▪️ حميدتي بديلاً للراحل قرنق.
▪️ظهور رئيس حزب الأمة القومي في نيروبي بديلاً للميرغني في أسمرا.
▪️ ظهور الحلو وحركته الشعبية لجبال النوبة بجانب الدعم السريع.
▪️ تماهي لخطابات بعض القوى السياسية لما يحدث في نيروبي.
رفض حزب البعث ومن خلال بيانات قيادته القطرية، وتصريحات الناطق الرسمي باسمه، ومن خلال تصريحات أعضاء القيادة المنفردين، ما حدث ويحدث في نيروبي من منطلق المسؤولية الوطنية والتاريخية، من محاولات لإقامة دولة رابعة – مدمجٌة – تحت مسمى حكومة موازية.
فخراب الثورات الوطنية في الأعوام 1985، والعام 1964 ، والعام 2019، كانت على يد مايسمى بحركات الكفاح المسلح التي انتهت إلى تدمير كل التحالفات المدنية الشعبية بتبني صيغتها ومن ثمْ تحويل مجرى الصراع الوطني لمصلحتها، كالخراب الأول في نيفاشا، والخراب الثاني في نيروبي، مع تماهي بعض القوى السياسية المدنية لهذا الخراب الوطني.
وبالتالي فإن الكثير من القيادات السياسية، والعاملين به، ضعيفي الإيمان في أمر الديمقراطية والحكم المدني، لمطلوباتهما الشاقة، ويعتبروننا، بأننا نطالب بأشياء نظرية، ولكننا نعرف حدود الإمكانيات وحقيقة الصعاب. وقد شكّل اندفاع شباب ثورة ديسمبر، الطبيعي، والمشروع في طريق بناء دولته المدنية تحت قاعدة الديمقراطية، شكّل، بحد ذاته خطرًا كبيرًا على مصالح قوى اليمين الرجعي والحركات المسلحة، والقوى الإقليمية والدولية. ولم يعد التراجع واردًا بالنسبة لنضال الشعب، وبالمزيد من العطاء ومضاعفة النضال، اختصاراً للزمن، بعدم ترك مجال لسماسرة السياسة أن يعطٌلوا بمؤامراتهم تجاه الوطن مسيرة الكل. ولابد من الانتباه بين الإمكانات المتحققة في النضال الراهن، وبين الإمكانات الوقتية، والتي على مدى انطلاقها وعمق تحققها، يتوقف مصيرنا ويتعين مكاننا.
وقد وضعت قيادة البعث، بعض المداميك في النضال الوطني، وهي تعلم أن الأمانة قد تلقتها الأيادي الوطنية النظيفة لتنطلق بها إلى الغد في إتجاه التقدم، ولسنا ندير ظهورنا، ونعَمْي أبصارنا عن كشف زيف الحقيقة، فنحن محاطون بقوى ثلاثة أساسية، تكفي لكي نملأ قلوبنا بالثقة والعزم: قوة مصلحة شعبنا في حاضره، وتاريخنا الوطني في ماضيه، والتاريخ القومي في تقدمه نحو الوحدة والحرية والاشتراكية.
إن المنطلق عند البعث لحل الأزمة الوطنية الشاملة، هو منطلق واحد لا يتغير، وهو العمل الشعبي الجدي المستند إلى تراثنا الوطني والقومي، لأنه معطى حضاري، أو لحظة حضارية، فيها من الماضي ومن الحاضر، وفيها من المستقبل، وهذه الصيرورة للحظة الحضارية تجعل من تراثنا حالة مستقبلية في كل زمان ومكان.
والراسخ لدينا – كبعثيين – من إيمان، بأن كوارثنا الوطنية الماثلة، لها صلة بانفكاك المشروع الوطني عن المشروع القومي، وهذه الكوارث تتم بمساعدة قوى إقليمية وبأيدي سودانية.