حكاية من جحيم الحرب سهير صلاح

سهير صلاح
من بين زحام الصعوبات ولحظات اليأس تتجلى أبشع قصص النزوح في الحرب، رحلات مليئة بالتحديات محفوفة بالمخاطر لكنها أيضا تعج بالإصرار والأمل في الحياة
رغم كل ماعانته “ح. ن” إحدى نساء المربعات بأمدرمان صامدة في وجه الحرب والظلم والجوع…
يومها يبدأ بأصوات القصف المدفعي، وينتهي بتناثر شظايا الأسلحة على جدران البيوت..
راسما لوحة من الحزن ..ألوانها دم.اء جار أو قريب تناثرت على النوافذ والجدران
“ح” لم يتبق معها سوى زوجها الستيني… بينما تمكن أبناؤها الشباب من الخروج ليلا عبر رحلة محفوفة بالمخاطر إلى أمدرمان…هنا قوات الدعم السريع تلاحق الشباب وتسجنهم بتهمة التخابر مع الجيش لذلك يخرجون إلى مناطق آمنة..
مع طول أمد الحرب .. عاش السكان هنا أيامًا وليال مسكونة بالخوف والرعب، تقول
كان الناس ينامون بعد العشاء مباشرة لنصحو عند منتصف الليل…هي وردية المراقبة خشية زوار الليل الذين يتسلقون الجدران ويسطون على المنازل ويطلبون الذهب والأموال في بيوت باتت خاوية..فقد نهبها من كان قبلهم وبعدها يتم توبيخنا وجلدنا
ومع انعدام الأمن والجوع والخوف قررنا الخروج من هذا الكابوس بعنا مانملك..ولم يكن سوى كارو حمار ..بعناه بثمن بخس لنوفر ثمن رحلة الخروج..فقد أصبح الحي مدينة أشباح لا مظاهر للحياة ..لا صوت قريب ولا نداء جيران ..أنعدمت أبسط مقومات الحياة ..الكهرباء ..الماء..الأمان ..المال..المأوى والمواد الغذائية .. الحرية كانوا يمنعونا من التحدث بصوت عالي..نتحدث همسا..في ظل هذا الوضع قررنا الخروج لكن الدعم السريع منعنا، هم يريدون اتخاذنا دروعًا بشرية حال هجم الجيش..
لكننا تسللنا مع ساعات الفجر الأولى ..وجدنا عشرات السكان قرروا الخروج..قضينا الليل كله مشيا علي الأقدام وبعض الأمتعة محملة علي عربة كارو..مع شروق الشمس تم القبض علينا من قبل الدعم السريع ..وتم التحقيق معنا أننا نريد الذهاب إلى مناطق الجيش ..وأرغمونا على البقاء في أحد أحياء أمدرمان.
هنا بدأت رحلة البحث عن طريق جديد ..هنا كان الوضع أصعب
عم ع كان رجلا شهما استضافنا في داره ٠٠ تقاسم معنا اللقمة ٠٠كان مؤذن الحي٠٠ كثير الخروج لقضاء حوائج الناس ..
بلا مقدمات وجدوه واقفا أمام منزله…أمروه بالدخول للمنزل ..وعندما هم بالدخول أطلقوا عليه رصاصة اخترقت صدره وسقط مضرجا بدم٠ائه…حالة الهلع والخوف والصراخ ..تم اعتقال كل الرجال وأدخلوهم غرفة صغيرة بينما لفظ إمام المسجد أنفاسه..بعد مناشدات تم إطلاق سراحهم مساءً ليتمكنوا من مواراة الجثمان
اسودت بعدها الدنيا في وجوهنا.. وقررنا الخروج مهما كلفنا الأمر …في ذات الليلة وجدنا حافلة مع كثيرين أخرجتنا من غرب أمدرمان إلى وسطها…حيث الأمان …خرجنا ومازال الخوف يسكننا ..لنبدأ رحلة نزوح داخلي .. واللهث وراء لقمة العيش …ولم الشمل.