يومٌ لنا وكل الأيام لكم!

دكتورة توتا صلاح

#ملف_الهدف_الثقافي

يعتصرنا الحزن، وكما دائمًا يشق ويخترق خاصرة الصبر. نحتفي بيوم واحد يتيم… وكل الأيام لهم! لا تزال المرأة، رغم مفردات الحقوق ومواثيق الحماية الشكلية، مستضعفة، مستباحة حقوقها كما كانت دائمًا!

ذات المرأة التي كانت لها مفخرة الريادة والارتياد في ثورة ديسمبر، هي نفسها التي تم الاعتداء الجسدي عليها، وتمت مشايعتها جنسيًا عيانًا جهارًا في غياهب الحروب! قد نحتفي بالمواثيق الدولية، ولكن القلب يدمي والفؤاد ينفطر على حواء البسيطة في القرى النائية، حيث يغدو ارتياد الصغيرات لإحضار “السُقيا”، أي ماء الشرب للأسرة، هو بديل للذهاب لفصول الدراسة لتعلم حرفة تكون سلاحًا ضد الفقر وضد تغول الآخر الأقوى.

أذرف الدمع سخيًا لنساء دارفور اللاتي امتهنت كرامتهن، وانتزعت قهرًا إنسانيتهن، ولهن من الحكايا ما يشيب لهن الولدان. وماذا أقول عن نسوة الجزيرة وهن تحرق وجوههن “شمس الهجيرة” في “الحواشات”، يسهمْن في توفير لقمة تسد رمق طفل جائع أو يتيم.

لقلمي أن يسطر أحرف وفاء لأولئك النسوة اللاتي سُطِر لهن وقُدِر لهن أن يقمن بالدور المركب، دور الأب والأم معًا، إذا غيب الأب مؤقتًا لكسب “لقمة العيش”، أو غياب أبدي بسبب الموت أو هروب متعمد ممن لم يصبه حظ من ضمير حي. وهل تفي كلماتي حق اللاتي يقضين يومهن في المطبخ، لا تعرف وجوههن مساحيق التجميل، ولا تعرف شعورهن الطريق إلى “صالونات الشعر” وكريمات “الترطيب” و”الفرد“!

ويوم واحد نحتفي به هو الثامن من مارس، والفذلكة التاريخية تقول إنه في العام 1856 تظاهرت آلاف النساء في نيويورك احتجاجًا على ظروف العمل اللاإنسانية التي كن يعشنها. وشكلت هذه التظاهرة التي تكررت لاحقًا مقدمة لحصول المرأة على المزيد من الحقوق وتخصيص يوم الثامن من مارس كل سنة للاحتفال بإنجازاتها والتعبير عن التقدير لها! الاحتفال بهذه المناسبة جاء إثر عقد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في باريس عام 1945.

والجميع يتبادلون رسائل التهنئة بهذه المناسبة، كما قد تبادلوا من قبل الرسائل في عيد الحب. أحس أنني أتقيأ “العصير” و”العشاء الأخير” عندما يحتل خاطري ذكرى الشهداء الذين “هم أكرم منا جميعًا” وأمهاتهن اللاتي هن أكرم النساء وأجملهن وأبهاهن، كيف لا وهن اللاتي ذهب أبناؤهن مهرًا للحرية التي لم نعرفها ولم نذق طعمها بعد، ونحن ندفن الشهيد تلو الشهيد.

التحية لأمهات الشهداء وهن يهزمن الأحزان، ويعلمننا ويعطيننا الدرس القيم في التماسك وهزيمة الأحزان. التحية لوالد ست النفور وهو يقهر الأسى ويفخر بابنته وهي تهدي روحها مهرًا لتحرر الوطن. التحية والرحمة لكل الشهيدات والشهداء على امتداد الوطن الموجوع الذي شاءت أقداره أن يحرم من الحرية… ولو إلى حين. التحية لكل نساء بلدي اللاتي يقاسين علقم الحرب ومرارة الإزاحة والتهجير.

ونحو سودان بلا حرب، بلا معاناة، بلا أحزان… سوف أحلم ولن أتوب عن أحلامي.