الوحدة والحرية والاشتراكية في فكر البعث جدلية الأهداف وأرجحية الوحدة في المشروع القومي العربي عند البعث

صحيفة الهدف

بقلم الرفيق الاستاذ عثمان الحاج عمر

عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

أمين سر قيادة قطر تونس

لا يمكن فهم الوحدة والحرية والاشتراكية في فكر البعث (ميشيل عفلق) من خلال التعامل معها باعتبارها ثلاثة أهداف متجاورة، لكلّ منها مجال مستقل وأولوية ثابتة بمعزل عن الهدفين الآخرين. فمثل هذا الفهم، وإن بدا منسجمًا مع ظاهر الشعار، لا يكشف عن عمق العلاقة التي تربط هذه المبادئ في المشروع النهضوي لحزب البعث العربي الاشتراكي. إنّ جوهر المسألة يكمن في إدراك وحدتها الجدلية: كيف يستمدّ كلّ هدف معناه من الهدفين الآخرين، وكيف تتكامل وظائفها في عملية تاريخية واحدة تستهدف بعث الأمة العربية وتحرير الإنسان العربي وبناء المجتمع الذي يليق بكرامته.

ومع ذلك، فإنّ القول بالترابط الجدلي بين هذه الأهداف لا يعني التماثل بينها في الموقع والوظيفة، ولا ينفي وجود أرجحية فكرية واستراتيجية للوحدة في تصور عفلق. فالوحدة تحتل موقعًا محوريًا لأنها تتصل بوجود الأمة بوصفها ذاتًا تاريخية مستقلة، وبقدرتها على امتلاك قرارها وتحديد مصيرها. وإذا كانت الحرية تتعلق بتحرير الإرادة، وكانت الاشتراكية تتعلق بتحرير المجتمع من الاستغلال وتحقيق العدالة، فإنّ الوحدة تتصل بالإطار القومي الذي تتفاعل داخله هذه المهمات، وتتسع إمكانات إنجازها.

إنّ أرجحية الوحدة، بهذا المعنى، ليست مجرد تقديم شعار على شعار، أو ترتيب شكلي لقائمة الأهداف، وإنما هي تعبير عن تصور لطبيعة الأزمة العربية ذاتها. فالأمة التي تتوزع طاقاتها بين كيانات مجزأة، وتخضع إمكاناتها لمراكز قرار متعددة، لا تواجه مشكلة سياسية فحسب، بل تواجه مشكلة في قدرتها على الفعل التاريخي المستقل. ومن هنا تصبح الوحدة قضية تتجاوز العلاقات بين الدول إلى سؤال أعمق: كيف تستعيد الأمة قدرتها على أن تكون صاحبة مشروع، لا مجرد موضوع للمشروعات التي يرسمها الآخرون؟

أولًا: العلاقة الجدلية بين الأهداف الثلاثة

إنّ العلاقة الجدلية بين الوحدة والحرية والاشتراكية تقوم على أنّ كلّ مبدأ منها هو، في الوقت نفسه، شرط لتحقيق المبدأين الآخرين ونتيجة من نتائجهما. فالوحدة لا تكتمل بمجرد التقارب السياسي بين الحكومات، ما لم تستند إلى إرادة شعبية حرة ومصالح اجتماعية مشتركة. والحرية لا تستنفد معناها في استقلال كلّ قطر ضمن حدوده القائمة، ما دامت الأمة عاجزة عن ممارسة حريتها الجماعية وامتلاك شروط استقلالها. والاشتراكية لا تحقق كامل مداها القومي إذا انحصرت في إصلاحات جزئية داخل أقطار متفرقة، تعجز منفردة عن تعبئة الموارد والإمكانات اللازمة لتحول اجتماعي واقتصادي شامل.

ومن هنا، لا تكون العلاقة بين الأهداف علاقة تعاقب آلي، كأن ننجز الوحدة أولًا ثم ننتقل إلى الحرية، وبعدهما نبدأ الاشتراكية؛ بل هي علاقة تأثير متبادل وتطور متداخل. فالنضال من أجل الحرية يمكن أن يفتح الطريق أمام الوحدة، والوحدة توسّع المجال المادي والسياسي لممارسة الحرية، والاشتراكية تزيل بعض الحواجز الطبقية التي تعيق مشاركة الجماهير في النضال القومي، فيما يمنح الأفق القومي الاشتراكية إمكانات أوسع لتحقيق العدالة الاجتماعية.

إنّ الوحدة، وفق هذا الفهم، لا تكتسب مضمونها من مجرد اتساع الرقعة الجغرافية أو عدد الأقطار المنضوية تحت سلطة واحدة، وإنما من قدرتها على توحيد الإرادة والمصالح والطاقات. والحرية لا تكتسب مضمونها من استقلال الدولة وحده، بل من قدرة الإنسان على المشاركة في تقرير مصيره. والاشتراكية لا تُقاس بمجرد ملكية الدولة لوسائل الإنتاج أو حجم تدخلها في الاقتصاد، وإنما بمدى تحرر المجتمع من الاستغلال، وتحقيق الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الفكر البعثي: إنّ فصل هذه الأهداف عن بعضها يُفرغ كلّ واحد منها من جانب أساسي من مضمونه. فوحدة لا تحرر الإنسان قد تتحول إلى مجرد توحيد للسلطة، وحرية تتجاهل العدالة الاجتماعية قد تبقى امتيازًا لا يتمتع به الجميع، واشتراكية تنفصل عن قضية التحرر القومي قد تنحصر في معالجة بعض الاختلالات الاقتصادية دون أن تمسّ جذور التبعية والتجزئة. وقد شدد فكر عفلق على أنّ الوحدة والحرية والاشتراكية لا تُفهم بوصفها مراحل أو قضايا منفصلة، بل بوصفها أبعادًا متكاملة للقضية العربية.

ثانيًا: لماذا تحظى الوحدة بالأرجحية؟

إذا كانت المبادئ الثلاثة متكاملة، فلماذا تتقدم الوحدة في الشعار البعثي وفي ترتيب الأولويات القومية؟

إنّ الإجابة لا تكمن في التقليل من شأن الحرية أو الاشتراكية، بل في طبيعة المسألة التي أراد عفلق معالجتها: مسألة أمة تمتلك مقومات تاريخية وحضارية مشتركة، لكنها تعيش التجزئة السياسية وتواجه تحدياتها في كيانات متفرقة.

فالأرجحية هنا أرجحية تتصل بوحدة الموضوع التاريخي الذي يناضل الحزب من أجله. إنّ البعث لا ينطلق، في تصوره القومي، من أنّ كلّ قطر عربي يمثل أمة مستقلة بذاتها، وأنّ المطلوب هو إقامة علاقات تعاون بين أمم متجاورة، بل من أنّ الأقطار العربية أجزاء من أمة واحدة، وأنّ التجزئة السياسية لا تلغي هذه الوحدة القومية.

وعلى هذا الأساس، فإنّ الحرية التي ينشدها البعث لا تقف عند حدود التحرر من الاستعمار أو امتلاك كلّ دولة قرارها السياسي، على أهمية ذلك، بل تتطلع إلى تحرر الأمة العربية في مجموعها من التبعية والضعف والتشتت. وكذلك الاشتراكية لا تنحصر في إقامة نظام اقتصادي أكثر عدالة داخل كلّ قطر، بل تتطلع إلى تحرير الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية للأمة، وتوسيع قاعدة المشاركة في ثرواتها ومواردها.

ومن هنا يمكن فهم أرجحية الوحدة باعتبارها أرجحية القضية القومية الجامعة، لا امتيازًا يمنح للوحدة على حساب الإنسان وحريته وحقوقه الاجتماعية. فالوحدة هي التي تمنح النضال القومي مداه الاستراتيجي، لكن الحرية والاشتراكية هما من المعايير التي يُقاس بها مضمون هذا النضال واتجاهه.

إنّ هذه الأرجحية لا تعني أنّ كلّ عمل سياسي أو اجتماعي يجب أن ينتظر قيام الوحدة الشاملة حتى يصبح ممكنًا أو مشروعًا. ولو كان الأمر كذلك لتحولت الوحدة من أفق للنضال إلى شرط لتعطيله. إنّ المنطق الجدلي يقتضي أن يبدأ العمل من الواقع القائم، وأن يغيّره تدريجيًا، وأن يجعل الإنجازات الجزئية رافعة للهدف القومي الأوسع، لا بديلًا عنه.

ثالثًا: أرجحية الوحدة تعني عدم اختزالها في شكل دستوري واحد

وهنا يجب التمييز بين ثبات الهدف ومرونة الطريق إليه. فثبات الهدف يعني عدم التخلي عن وحدة الأمة باعتبارها أفقًا استراتيجيًا، أمّا مرونة الطريق فتعني عدم تحويل وسيلة بعينها إلى شرط عقائدي لا يتحقق الهدف إلا من خلاله.

فالوحدة يمكن أن تُطرح في صورة اندماج سياسي شامل، أو اتحاد فيدرالي يحافظ على صلاحيات واسعة للوحدات المكوّنة له، أو صيغة كونفدرالية تقوم على مؤسسات مشتركة واختصاصات متفق عليها، أو مسارات تدريجية تبدأ بالتكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي والدفاعي، ثم تتطور وفق ما تتيحه الظروف والإرادة الشعبية. وهذه أمثلة على أشكال ممكنة للتكامل والوحدة، وليست ادعاءً بأنّ عفلق وضع قائمة دستورية ملزمة بهذه الصيغ جميعًا.

فالعبرة ليست بالاسم الذي تحمله الصيغة، بل بمدى قدرتها على تجاوز التجزئة الفعلية، وتوحيد المصالح والقرار في المجالات المشتركة، وفتح الطريق أمام مزيد من الاندماج القومي.

وقد بيّنت التجربة التاريخية أنّ إعلان الوحدة في صيغة سياسية واحدة لا يكفي لضمان استدامتها. فقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا سنة 1958، ثم انتهاؤها سنة 1961، يطرح سؤالًا جوهريًا عن العلاقة بين وحدة الدولة ووحدة الإرادة، وبين الاندماج المؤسسي ومشاركة القوى الاجتماعية في حماية المشروع الوحدوي. ولا يجوز اختزال أسباب انتهاء تلك التجربة في عامل واحد، لكنّها تذكّر بأنّ الشكل السياسي، مهما كانت رمزيته، لا يغني عن بناء شروط الوحدة واستمرارها.

إنّ الدرس الفكري هنا هو أنّ الوحدة ليست مجرد قرار تتخذه القيادات، بل عملية تاريخية تحتاج إلى مؤسسات ومصالح مشتركة وقبول شعبي وضمانات تحول دون أن يشعر أيّ جزء من الأمة بأنّ وحدته تعني فقدان شخصيته أو تهميش إرادته.

فالوحدة الحقيقية لا تلغي الجزء لمصلحة الكل، بل تمنح الجزء مجالًا أوسع لتحقيق إمكاناته داخل الكل. وهذا المعنى ينسجم مع قراءة فكر عفلق التي ترى في الوحدة تجاوزًا للتجزئة، لا مجرد جمع حسابي للأقاليم.

رابعًا: الوحدة لا يشترط أن تبدأ شاملة، بل يمكن أن تبدأ إقليمية

إذا كان الهدف هو تجاوز التجزئة واستعادة القدرة العربية المشتركة، فلا يوجد تناقض منطقي بين التطلع إلى وحدة عربية شاملة، والعمل في الوقت نفسه على صيغ وحدوية إقليمية بين قطرين أو مجموعة من الأقطار.

فالقول بأنّ الأمة العربية واحدة لا يعني أنّ تحقيق وحدتها يجب أن يتمّ دفعة واحدة، وفي لحظة تاريخية واحدة، أو أن تكون جميع الأقطار مستعدة للانضمام إلى مشروع شامل في الوقت نفسه. إنّ وحدة الأمة بوصفها هدفًا استراتيجيًا شيء، والمسار التاريخي الذي يمكن أن يقود إلى تحقيقها شيء آخر.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى أيّ تقارب وحدوي جاد بين قطرين عربيين باعتباره خطوة محتملة في اتجاه الهدف الأوسع، متى كان منفتحًا على بقية الأمة، وقائمًا على مصالح مشتركة، ولا يتحول إلى مشروع انعزالي يكرّس الحدود القائمة باعتبارها حدودًا نهائية للمصير العربي.

ويمكن توضيح هذه الفكرة من خلال أمثلة إقليمية:

– في الخليج العربي: يمكن أن يتطور التعاون بين أقطاره من تنسيق سياسي وأمني واقتصادي إلى تكامل أعمق في الطاقة والصناعة والنقل والاستثمار والسوق المشتركة، وصولًا إلى مؤسسات إقليمية ذات صلاحيات فعلية. ويكون هذا المسار خطوة في بناء القدرة العربية المشتركة، لا إعلانًا عن اكتفاء الخليج بذاته أو انفصاله عن قضايا الأمة.

– في المغرب العربي: يمكن أن يشكّل التعاون بين تونس والجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا، وفق الظروف والإرادات السياسية المتاحة، مجالًا للتكامل في التجارة والطاقة والزراعة والنقل والمياه والأمن الغذائي. فالتقارب بين هذه الأقطار لا يحتاج إلى انتظار توافق عربي شامل حتى يبدأ، كما أنّ نجاحه لا يقتضي أن يتحول إلى بديل عن الوحدة العربية الأوسع.

– بين قطرين عربيين: يمكن أن تبدأ تجربة وحدوية باتفاق ثنائي يتجاوز التعاون الظرفي إلى مؤسسات مشتركة، وتنسيق في السياسات الاقتصادية، وتسهيل حركة المواطنين والسلع ورؤوس الأموال، وربما إلى ترتيبات سياسية أعمق. وتظلّ قيمة التجربة مرتبطة بمضمونها، وبقدرتها على خدمة المصالح الشعبية، وبانفتاحها على إمكان توسيعها مستقبلًا.

وهذه الأمثلة ليست إعلانًا بأنّ كلّ تكامل إقليمي هو وحدة قومية مكتملة، ولا أنّ أيّ اتحاد اقتصادي يقود تلقائيًا إلى اندماج سياسي. إنّها توضيح للفرق بين شمول الهدف النهائي وشمول الخطوة الأولى.

فقد يكون المسار إقليميًا في بدايته، بينما يظلّ أفقه قوميًّا عربيًا. وقد تكون الخطوة محدودة من حيث عدد الأقطار المشاركة فيها، لكنها ذات أثر واسع إذا أسهمت في تحرير الإرادة الاقتصادية، وتقوية الاستقلال السياسي، وتطوير مؤسسات قادرة على التوسع والانفتاح.

إنّ المطلوب هو ألّا يتحول عدم اكتمال الوحدة الشاملة إلى ذريعة لرفض كلّ خطوة وحدوية ممكنة، وألّا تتحول الخطوات الإقليمية إلى ذريعة للتخلي عن الهدف القومي الجامع.

وهنا تظهر القيمة العملية لأرجحية الوحدة: فهي لا تفرض على الواقع أن يقفز إلى نهايته قبل أن تبدأ حركته، بل تجعل كلّ خطوة قابلة للتقييم وفق موقعها من المشروع الأكبر، ومدى إسهامها في تقليص التجزئة وتعزيز المصالح المشتركة.

خامسًا: الحرية والاشتراكية معياران لمضمون الوحدة

غير أنّ مرونة الشكل وتدرج المسار لا يعنيان أنّ كلّ اتحاد بين دولتين أو أكثر يستحق، بمجرد قيامه، وصف الوحدة القومية بالمعنى البعثي.

فقد تتحد سلطات من دون أن تتوحد إرادة الشعوب، وقد تنشأ سوق مشتركة من دون أن تتراجع التبعية الاقتصادية، وقد تُنشأ مؤسسات إقليمية من دون أن يشعر المواطن بأنّها تعبر عن مصالحه أو تمنحه قدرة أكبر على المشاركة في تقرير مصيره.

لذلك لا يمكن أن تُقاس الوحدة بحجم المؤسسات المشتركة وحده، ولا بعدد الاتفاقيات الموقّعة، ولا حتى بدرجة الاندماج الإداري. بل ينبغي النظر إلى مضمونها السياسي والاجتماعي، وإلى ما تحققه من حرية وعدالة واستقلال.

فالحرية تمنع اختزال الوحدة في مركزية سلطوية تصادر إرادة الأجزاء، والاشتراكية تمنع اختزالها في تحالف بين نخب حاكمة تتقاسم المصالح من دون أن تنعكس نتائج التكامل على الجماهير. وفي المقابل، تمنح الوحدة الحرية والاشتراكية مجالًا أوسع للتجسد، عبر توسيع نطاق القرار المستقل، وتعبئة الموارد، وربط التنمية بمصالح اجتماعية وقومية مشتركة.

وهذه هي الجدلية الحقيقية: ليست الوحدة مجرد إطار تأتي الحرية والاشتراكية لملئه لاحقًا، بل إنّ الحرية والعدالة الاجتماعية من الشروط التي تساعد على بناء وحدة قابلة للحياة والاستمرار. كما أنّ الوحدة توسّع المجال الذي يمكن أن تتحقق فيه هاتان الغايتان على نحو أعمق وأشمل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.