طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
تقديم: كيف نقرأ هذا البيان؟
البيان الذي أصدرته قيادة قطر السودان ليس بياناً موقفياً عابراً، ولا تعليقاً على حدث. إنه وثيقة سياسية استراتيجية تحاول أن تجيب على ثلاثة أسئلة في آن: أين نحن؟ (التشخيص (، من يتحمل المسؤولية؟ (الفاعل (، وماذا نفعل؟ (البرنامج). وقد جاء في تسعة محاور مترابطة، لا يجمعها الترتيب فقط، بل يجمعها منطق واحد ينتقل من تشخيص الأزمة إلى تحديد الفاعل إلى رسم طريق الحل. والبيان، في بنيته العميقة، يقوم على أربع مقولات مركزية:
المقول الأولى: لا انتصار عسكري حاسم لأي طرف، والحرب تدور في حلقة استنزاف طويلة.
المقول الثانية: الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت أزمة بقاء مجتمعي واقتصادي وإنساني.
المقول الثالثة: القوى السياسية والمدنية الديمقراطية هي الفاعل المؤهل لقيادة البديل، لكنها مشتتة، وتحتاج إلى جبهة موحدة.
المقول الرابعة: الحل لا يأتي من الخارج ولا من طرفي الحرب، بل من ضغط وطني منظم يفرض التفاوض، ويحدد إطاره، ويضمن مآلاته.
ومن هذه المقولات الأربع، تنبع البرامج العملية التي طرحها البيان: برنامج إنساني عاجل (6 نقاط)، برنامج ضغط على طرفي الحرب (8 نقاط)، برنامج بناء الجبهة الوطنية (4 مهام)، برنامج تفعيل الحركة الجماهيرية (7 اتجاهات)، وإطار تفاوضي (8 مقترحات).
وهذه السلسلة التي نبدأها هنا لا تهدف إلى تلخيص البيان، بل إلى استخراج مضامينه العميقة، وتفكيك برامجه العملية، وإعادة تركيبها في صورة تصلح للتنفيذ والمتابعة.
وهي سلسلة من ثماني مقالات، يتناول أولها البيان بوصفه وثيقة سياسية استراتيجية، فيما تتناول المقالات السبعة التالية محاوره ومضامينه وبرامجه، مع الجمع بين بعض المحاور المتداخلة، وصولاً إلى قراءة تركيبية لإطار التفاوض ومآلات الحل الوطني.
لا تنطلق هذه السلسلة من افتراض أن البيان يمثل إجابات مكتملة عن جميع أسئلة الأزمة السودانية، ولا تقتصر على إعادة عرض مواقفه ومحاوره، وإنما تتعامل معه بوصفه مشروعاً سياسياً يستحق التحليل والتفكيك والمساءلة. ولذلك فإن القراءة ستتحرك عبر ثلاثة مستويات متكاملة: فهم المنطلقات الفكرية والسياسية للبيان، وتحليل برامجه ومطلوباته العملية، ثم مناقشة شروط تنفيذها والعقبات التي يمكن أن تواجهها.
فالمعيار الذي ستخضع له هذه القراءة ليس فقط ما يطرحه البيان من مواقف، وإنما أيضاً مدى قدرته على تحويل هذه المواقف إلى رؤية قابلة للفعل، وبناء الفاعل الوطني القادر على حملها، وفتح الطريق أمام انتقال السودان من واقع الحرب وتفكك الدولة إلى أفق السلام والتحول الديمقراطي وإعادة البناء. فالبيان لا تُقاس قيمته بما يقوله عن الأزمة وحدها، وإنما بما يفتحه من إمكانات لتجاوزها.
المقال الأول: البيان كوثيقة استراتيجية — المنطق الداخلي والرسالة السياسية
يبدأ البيان بتشخيص لا يحتمل التخفيف: السودان يعيش مرحلة بالغة الخطورة من تاريخه الحديث، تداخلت فيها الحرب مع الانهيار الاقتصادي، مع هجرة ونزوح وخلخلة لبنية المجتمع، مع انقسام وتراجع مؤسسات الدولة، مع تفاقم التدخلات الإقليمية والدولية. وقد (دخلت الحرب عامها الرابع دون أن يلوح في الأفق انتصار عسكري حاسم لأي من طرفيها).
هذا التشخيص لا يترك مجالاً للوهم. يستبعد البيان ظهور حسم عسكري قريب، ويرى أن استمرار الرهان على موازين القوة يفاقم الاستنزاف ويعمق الأزمة الوطنية. وهذه ليست قراءة محايدة، إنها رفض صريح لمنطق الحسم العسكري الذي يتبناه طرفا الحرب.
ثم ينتقل البيان إلى تحديد الرسالة السياسية، في إن القوى الوطنية الرافضة للحرب تحتاج إلى الانتقال من دائرة المواقف المعلنة إلى دائرة الفعل السياسي والجماهيري الأكثر تأثيراً. أي أن البيان لا يكتفي بإدانة الحرب، بل يطالب بـتحويل الرفض إلى برنامج عمل. فالبيان يتميز عن غيره من البيانات السياسية بثلاثة أمور:
الأول: أنه لا يكتفي بالتشخيص، بل يقدم برامج، في كل محور من محاوره التسعة، هناك تحليل، ثم مطلوب عملي. في المحور الاقتصادي: 6 نقاط. في محور الرباعية: 8 نقاط. في محور القوى الديمقراطية: 4 مهام. في محور الحركة الجماهيرية: 7 اتجاهات. في محور التفاوض: 8 مقترحات. هذا ليس بياناً موقفياً، بل برنامج عمل.
الثاني: أنه لا يساوي بين الأطراف: البيان يرفض الحرب، لكنه لا يرفض المحاسبة. يقول صراحة: (رفض الحرب لا يعني التنازل عن المحاسبة أو القبول بإعادة إنتاج النظام السابق)، ويحدد موقفاً واضحاً من الحركة المتأسلمة والمؤتمر الوطني، في إبعادهم عن السلطة وعن ترتيبات الانتقال المدني، شرط أساسي لأي سلام مستدام. هذا موقف سياسي محدد، لا موقفاً (وسطياً)، غامضاً.
الثالث: أنه يحدد الفاعل: البيان لا يقول (يجب أن نفعل)، بل يقول من يجب أن يفعل: القوى السياسية والمدنية الديمقراطية، والنقابات، واللجان الشعبية، والحركة الجماهيرية، والفصائل المسلحة غير المتورطة في الحرب. هذا تحديد للفاعل، لا خطاب عام.
كما إن البيان مبني على تسلسل منطقي دقيق، وكما يلي:
من التشخيص إلى السياق: يبدأ بالوضع العسكري والأمني (المحور الأول)، ثم الاقتصادي (الثاني)، ثم السياسي (الثالث)، ثم دور الحركة المتأسلمة (الرابع)، ثم تضييق هامش سلطات الأمر الواقع (الخامس). هذا تشخيص متعدد الأبعاد، لا يختزل الأزمة في سبب واحد.
من السياق إلى الفاعل: بعد أن يرسم صورة الأزمة، ينتقل البيان إلى الدور الإقليمي والدولي (السادس)، ثم مسؤولية القوى الديمقراطية (السابع)، ثم الحركة الجماهيرية (الثامن). هذا تحديد للفاعل في مستويين: الفاعل الخارجي (الرباعية)، والفاعل الداخلي (القوى الديمقراطية والجماهير).
من الفاعل إلى الحل: ينتهي البيان بـإطار العملية التفاوضية ومآلات الحل الوطني (التاسع)، حيث يقدم 8 مقترحات محددة. هذا الحل لا يأتي من فراغ، بل من تراكم التحليل وتحديد الفاعل.
الرسالة التي يحملها البيان يمكن اختصارها في جملة واحدة: لا حل عسكري، ولا حل تفرضه الإرادة الخارجية، ولا غنى عن توظيف الضغط الإقليمي والدولي لدعم مسار وطني مستقل، ولا حل من طرف واحد، إنما الحل وطني، تفاوضي، بقيادة مدنية، ومدعوم بضغط جماهيري. وهذه الرسالة تحمل في طياتها رفضاً ثلاثياً:
• رفض وهم الحسم العسكري الذي يتبناه طرفا الحرب.
• رفض الوصاية الخارجية التي تريد أن تقرر الرباعية نيابة عن السودانيين.
• رفض إعادة إنتاج النظام السابق عبر بوابة الحرب أو الحوار.
وفي المقابل، تحمل تأكيداً ثلاثياً:
• تأكيد أن السلام لا يتحقق إلا بوقف الحرب ومعالجة مسبباتها.
• تأكيد أن الشرعية لا تأتي من السلاح، بل من إرادة الجماهير والانتخابات.
• تأكيد أن الوحدة لا تُحفظ بالحرب، بل بالعدالة والمواطنة والمصالحة.
لعل أعمق ما يمكن استخلاصه من هذا البيان أنه يحاول إعادة الاعتبار للسياسة في لحظة يجري فيها اختزال مصير البلاد في موازين القوة العسكرية. فالسياسة ليست مجرد إعلان للمواقف أو إدارة للخلافات، وإنما هي القدرة على تحويل المصالح الوطنية المشتركة إلى إرادة منظمة، وتحويل هذه الإرادة إلى قوة ضغط وتغيير.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى بناء جبهة وطنية واسعة ليست مجرد دعوة لتوحيد القوى الرافضة للحرب، بل هي محاولة لاستعادة الفاعل الوطني المستقل، القادر على كسر الثنائية التي فرضتها الحرب بين طرفيها، واستعادة حق المجتمع في تقرير مصيره.
فالمعضلة ليست فقط في غياب التوافق بين القوى السياسية، وإنما في غياب القوة المنظمة القادرة على تحويل هذا التوافق إلى فعل مؤثر. ولذلك فإن الانتقال من المواقف المعلنة إلى الفعل السياسي والجماهيري يمثل جوهر التحدي الذي يضعه البيان أمام القوى الوطنية؛ إذ لا تكفي سلامة الموقف ما لم تسندها القدرة على تحويله إلى واقع. كما إن البيان لا يطلب من القيادة الحزبية شيئاً محدداً في هذا المحور الأول، بل يطلب من كل القوى الوطنية أن تنتقل من (المواقف المعلنة)، إلى (الفعل السياسي والجماهيري الأكثر تأثيراً)، وهذا يعني أن البيان يدعو إلى تحويل الرفض إلى برنامج، لا إلى الاكتفاء بالإدانة. وهذا هو المفتاح الذي ستُبنى عليه بقية السلسلة: كل محور من محاور البيان يحمل مطلوباً عملياً، لا مجرد تحليل. والمقالات التالية ستتناول هذه المطلوبات محوراً بمحور.
يتبع لطفاً،،،،،،،

Leave a Reply