محمد الحاج
عندما تتحول المؤسسات التي صنعها المجتمع لخدمته إلى كيانات فوق المساءلة، وعندما تصبح مناقشة أدوارها أو المطالبة بإصلاحها محرماً وطنياً (taboo) ، نكون قد انتقلنا من دولة المؤسسات إلى عبادة المؤسسات. عندها يصبح إحراق الأبقار المقدّسة ضرورة لاستعادة معنى الوطن، فلا مؤسسة تعلو على الشعب، ولا سلطة تسمو على الدستور، ولا أحد فوق الوطن.
الجيوش مؤسسات وطنية تنشئها المجتمعات لحماية حدود الدول، وصون سيادتها، والدفاع عن دساتيرها وشعوبها، وليست كيانات فوق الدولة، أو سلطات مفارقة لإرادة المجتمع. فهي مؤسسات من صنع الشعب، تستمد مشروعيتها من وظيفتها الدستورية، وتخضع للقانون والرقابة والمساءلة، شأنها شأن سائر مؤسسات الدولة.
لكن المعضلة تبدأ حين تتحول المؤسسة العسكرية إلى بقرة مقدسة، يُحرَّم الاقتراب منها، ويُجرَّم نقدها، ويصبح مجرد مساءلة أدائها أو المطالبة بإصلاحها مساساً بالوطن وهيبة الدولة. وحين يُختزل أمن البلاد ووحدتها واستقرارها في وجودها، وكأن المجتمع عاجز عن حماية نفسه، وكأن الجيوش شرط لقيام الدول وأن الدول لا تقوم إلا على فوهة البندقية.مع العلم ان هنالك دول ليس لديها جيوش ومستقره.
إن في هذا التصور قلباً خطيراً للعلاقة بين الدولة ومؤسساتها، فبدلاً من أن تكون المؤسسة العسكرية خادمة للشعب و للدولة وحامية لدستورها، تصبح الدولة رهينة لمؤسستها العسكرية، ويتحول التفويض الوظيفي إلى وصاية سياسية، والحماية إلى هيمنة، والسلاح من أداة للدفاع عن الوطن إلى وسيلة لاحتكار السلطة وتكريس التسلط.
فالجيش ليس هو الوطن، والوطن ليس ثكنة عسكرية، ووحدة المجتمع لا يحرسها السلاح وحده، وإنما تصونها العدالة، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمؤسسات الديمقراطية، ووحدة الوجدان و التلاقح الثقافي والرضا الشعبي.
إن الجيوش المحترمة ليست تلك التي تتعالى على شعوبها، أو تتدخل في خياراتها السياسية، وإنما تلك التي تعرف حدود وظيفتها، وتلتزم بعقيدتها المهنية، وتخضع لسلطة دستورية مدنية، وتحظى باحترام المجتمع لا بالخوف منه.
وليس في المطالبة بإصلاح المؤسسة العسكرية أو إخضاعها للسلطة المدنية انتقاص من شأنها، بل هو دفاع عن مهنيتها واستقلالها عن التجاذبات السياسية، وحماية لها من التحول إلى طرف في صراعات السلطة.
إن تقديس المؤسسات هو بداية تعطيل العقل والمساءلة، وأخطر ما يمكن أن يحدث لدولة أن تتحول مؤسساتها، التي أنشئت لخدمة المجتمع، إلى كيانات تطلب من المجتمع الخضوع لها.
فالدولة التي تخاف من مساءلة جيشها، وتعتبر نقده تهديداً لوحدتها، لم تحسم بعد سؤال السيادة، أهي للشعب الذي أنشأ مؤسساته، أم للمؤسسات التي يفترض أنها أُنشئت لخدمته؟
الوطن هو الغاية، والجيش إحدى مؤسساته، وليس من حق المؤسسة، أياً كانت قوتها، أن تتحول إلى وصيٍّ على صاحب الحق والسيادة.

Leave a Reply