يحي أبن عوف
في أرضٍ اعتادت أن تُعفّر جباه من يحمونها بعبير الصندل، وتغفو على نغمات النيل الحانية، تحول الصباح فجأةً إلى جحيمٍ مستعر، وصارت ريحة البارود هي النابض الوحيد في شرايين المدائن والقرى. إنها المأساة السودانية الممتدة التي تُخلف وراءها جرحاً نازفاً ووجعاً إنسانياً لا يهدأ، ليبرز في قلب هذا الخراب العميم سؤالان جوهريان يختصران جوهر الحكاية: من الذي أشعل هذه الحرب؟ ولماذا يرتفع سقف الاتهام الحاد والعداء المستحكم موجهاً خصيصاً ضد القوى السياسية المدنية، وما المقصود بذلك؟
أولاً: من أشعل الحرب؟ (والحاجة الملحة إلى تقصٍ دولي)
بين ليلة وضحاها، اندلعت النيران في الخامس عشر من أبريل 2023، ومنذ ذلك الحين تتبادل أطراف النزاع—القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع—اتهامات البدء وإطلاق الرصاصة الأولى التي دمرت الديار. ولكي لا تضيع الحقيقة وسط غبار الدعاية الحربية الصاخبة وتناقض الروايات، تبرز الحاجة الملحة والقصوى إلى لجنة تقصي حقائق دولية مستقلة، تتمتع بصلاحيات كاملة ومعايير نزاهة عالمية، لتنبش في كثيب الرماد وتكشف للرأي العام المحلي والدولي الحقائق المجردة:
لتقطع باليقين وتحدد ما إذا كان الجيش بريئاً أو متورطاً في تهيئة مناخ الاشتعال.
ولتكشف ما إذا كانت قيادة الدعم السريع بريئة أو مدانة بالتخطيط المسبق لهذا الهجوم الشامل.
ولتضع الجناة الحقيقيين وجهاً لوجه أمام عدالة التاريخ والمحاسبة الدولية، بعيداً عن سياسة الإفلات من العقاب وطيّ الملفات في عتمة النسيان.
ثانياً: لماذا هذا الاتهام الحاد والعداء للقوى السياسية المدنية خصوصاً؟ وما المقصود بذلك؟
إن العداء المستحكم والاتهام الحاد الموجه ضد المدنيين والساسة لم يأتِ بمحض الصدفة، ولم يكن عارضاً، بل هو استراتيجية واعية وممنهجة تتبناها أطراف الصراع والمنتفعون منه. والمقصود بهذا العداء هو “اغتيال فكرة الدولة المدنية الديمقراطية من جذورها”. وتتلخص أسباب هذه الحرب الخفية على المدنيين في محاور ثلاثة:
الخوف من نزع الامتيازات واحتكار السلطة:
فالقوى المدنية (وقوى الثورة الحية) تنشد دولة قانون لا سلطان فيها للسلاح، وترفع لواء بناء جيش مهني واحد قومي، وتسعى لإنهاء سيطرة العسكر وأمراء الحرب على مفاصل الاقتصاد والشركات العابرة للحدود والثروات. هذا البرنامج الوطني يشكل تهديداً وجودياً وموتاً محتماً لمصالح الجنرالات والفلول.
عقدة الشرعية ومشروع “الفلول”:
تسعى فصائل الحركة الإسلامية (فلول النظام البائد) إلى استغلال دخان هذه الحرب للعودة إلى واجهة المشهد السياسي والسيطرة من خلف الستار، بعد أن أطاح بها الشعب السوداني بثورته المجيدة. المدنيون هنا يمثلون العقبة الكئود والترس الأخير أمام عودة مشروع “تمكينهم” ودولتهم الأيدولوجية، ولذلك تتركز ضراوة الاتهام والعداء في شيطنتهم وإلغائهم.
إسكات الصوت البديل وكسر الإرادة:
منذ اليوم الأول للاقتتال، رفعت القوى السياسية ولجان المقاومة صوتاً مستقلاً يرفض العبث، مبديةً شعارها الواضح: (“لا للبرهان، لا لحميدتي، لا للحرب”). هذا الموقف الحر يفضح عبثية الصراع ويسحب شرعية الاقتتال من الطرفين معاً. لذلك، كان استهداف وتصفية واعتقال القيادات المدنية والنشطاء محاولة خبيثة لإفراغ الفضاء العام من أي صوت عاقل، وإقناع الشعب المغلوب على أمره بأن البندقية هي الحاكم الأوحد ولا خيار سوى الاستسلام.
خلاصة القول ومقصده:
إن الاتهام الحاد واستهداف القوى المدنية وتصفيتها ليس سوى حرب غايتها الأساسية تجريف المستقبل. إنهم يريدون سحق كل من يُمثل وعي الأمة وحلمها بالحرية والسلام والعدالة، لكي يخلو وجه السودان للطغاة وأمراء الحرب، ولكي تبقى البندقية وحدها هي من تقرر مصير البلاد والعباد على أشلاء الوطن وأحلام أبنائه.

Leave a Reply