الوحدة الوطنية الفلسطينية الحقيقة الثابتة في وجه التحديات والمتغيرات

صحيفة الهدف

أحمد علوش

​ بعد 33 عاماً على اتفاق أوسلو الذي ولد ميتاً، واعتبره البعض في حينه انتقالياً باتجاه إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ورأى فيه الكيان الاغتصابي تغطية مناسبة لسياسة تصفية القضية الفلسطينية والانقضاض على الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، وإلغاء هويته الوطنية، ومع دخول ح.رب الإب.ادة في غزة، والح.رب على الحياة في الضفة الغربية عامها الرابع تزداد الكارثة غير المسبوقة وربما الأخطر في تاريخ الصراع على أرض فلسطين، وإذا كان الشعب الفلسطيني مهدداً بوجوده وبقائه، فإن القوى السياسية والفصائل الفلسطينية تجد نفسها أمام مأزق غير مسبوق بسبب ضيق الخيارات وحجم الضغوطات الناجمة عن شراسة الهجوم المعادي وطبيعة التحديات، بالإضافة إلى الأوضاع الداخلية  الناجمة عن الانقسام، وانسداد الأفق والهجوم على الشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير حيث تصطدم كل محاولات الخروج من المأزق الخانق بعقبات كل واحدة منها أصعب من الأخرى، فمجلس سلام ترامب يتبنى سردیة العدو ونظرته إلى الوضع هناك، وأمّن تغطية مناسبة لسياسة هندسة الإبادة، ودفع الغزيين إلى الهجرة الاختيارية مع تغييب متعمد لأبسط أساسيات الحياة في القطاع، ووصول أكثر من سبعين بالمئة من الغزيين إلى ما دون خط الفقر رغم المرونة التي أبدتها الفصائل ووصلت إلى تنازلات مؤلمة وكبيرة، أما في الضفة الغربية فإن جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين تفوقوا في إج.رامهم على الإج.رام الأميركي بحق السكان الأصليين، والمج.رم “نتنياهو” الذي كان يمارس الانتقاد الناعم لبعض ج.رائم المستوطنين كشف عن وجهه الحقيقي عندما تبنى بشكل وقح تبرير ج.رائمهم والدفاع عنهم حتى في الهجوم على الصحفيين والدبلوماسيين الأجانب.

وفي ظل هذه الأوضاع وما يواجهه الشعب العربي الفلسطيني من أخطار، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوماً بتأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية إلى أواخر العام القادم، وهو التأجيل الذي يرتقى إلى مستوى الإلغاء، وقد بررت بعض الأوساط الفلسطينية ذلك بـ:

–  تعذر إجراء الانتخابات في قطاع غزة.

– الأوضاع في الضفة الغربية جراء ج.رائم الاحتلال وقطعان المستوطنين والحصار والحواجز التي قطعت أوصال الضفة بالإضافة إلى الهجمة الاستيطانية غير المسبوقة.

– موقف العدو بمنع الانتخابات في القدس وهو موقف متكرر في أي استحقاق انتخابي فلسطيني.

– الأوضاع الداخلية الفلسطينية الناجمة عن الانقسام ومحاولة كل فصیل ترتيب أوضاعه الداخلية ما يستدعي أداءً مسؤولاً يعزز الشرعية الفلسطينية ويعمق دورها ومؤسساتها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني في الداخل والخارج.

– الأوضاع المتفجرة على مستوى المنطقة حيث ترتفع احتمالات الح.رب الشاملة وهي ح.رب “صفرية” وما قد يترتب على ذلك من نتائج ووقائع قد تغير معادلات قائمة قد تفتح أفاقاً جديدة أمام الفلسطينيين على الرغم من مأساوية الصورة وقتامة المشهد.

أمام كل هذه المعطيات لا بد من التأكيد على حقيقتين أساسيتين الأولى القدرة الهائلة عند الفلسطينيين على الصمود والصبر والمطاولة والمقاومة بالصدور العارية واللحم الحي وعلى تمسكهم بأرضهم وثوابتهم الوطنية في الحرية والاستقلال وإقامة دولتهم المستقلة والثانية أنه  على الرغم مما حققه العدو من نجاحات على الأرض ومن جرائم أثارت غضب العالم لم يستطع إن يترجم ذلك سياسياً وهو في مأزق استراتيجي لا بد أن يتعمق في الصفحات القادمة من المواجهة، وهي طويلة ومفتوحة الأفاق خارج حساباته.

في ضوء ما تقدم ودون الغرق في الكثير من التفاصيل فإن حدث السابع من أكتوبر 2023 وما ترتب عليه من نتائج إيجابية وسلبية كان وما زال يطرح أسئلة كثيرة وتساؤلات عديدة فإن القوى والفصائل الفلسطينية مطالبة بإجابات سريعة وحاسمة في مواجهة الاستحقاقات القادمة من خلال البدء بمراجعة شاملة تبتعد من خلالها عن الحسابات الذاتية والعصبية الفئوية والأهم التخلي عن التماهي مع حسابات إقليمية ومشاريع لم تكن يوماً إلا توظيفاً للورقة الفلسطينية لتعزيز نفوذها وتحسين مواقعها وألحقت ضرراً كبيراً بالقضية الوطنية الفلسطينية ونتائج مأساوية على الشعب العربي الفلسطيني الذي يخوض معركة البقاء على طريق الانتصار، ولذلك لم يعد مبرراً لأي طرف الذرائع  والحديث عن خلافات غطاءً للانقسام الذي ألحق باعتراف الجميع ضرراً بالغاً بالقضية الوطنية الفلسطينية وبنضال الشعب العربي الفلسطيني وتضحياته.

وإذا كان البعض قد أبدى مرونة وصلت حد التنازلات المؤلمة في ظل الواقع الراهن، وإذا كان الكل يجمع أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة أصبحت هدفًا جامعاً، كهدف مرحلي في صراع وجودي مع الاحتلال فليس من الأولى أن تكون هذه المرونة وبعضاً من هذه التنازلات اتجاه الأطراف الفلسطينية الأخرى، صوناً للوحدة واحتراماً لصبر الشعب وصموده الذي يدافع عن المكتسبات والقادر على تحقيق الإنجازات.

بناءً على ما تقدم توجهت أنظار كل الخيرين نحو حوار القاهرة الذي جرى مؤخراً وبقى مفتوحاً على جولة جديدة بعد أن طلبت حماس مهلة زمنية لدراسة المقترحات المقدمة، واذا كنا نأمل أن تنجح المراجعة في تجاوز أثار الماضي واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وان تكون النتائج مغايرة لنتائج الحوارات السابقة التي جالت في كل العواصم العربية وحطت رحالها في فترات سابقة في موسكو وبكين ولم تصل الى النتائج المرجوة وبقيت كل الاتفاقات حبراً على ورق، فإن الجميع يدرك ولا شك أن النظام السياسي الفلسطيني برمته مهدد بالانهيار خاصة أن “نتنياهو” ومن خلفه الإره.ابي سموريتش قد أعلنوا صراحة الح.رب على السلطة الفلسطينية بعد كل الإجراءات العدوانية التي اتخذت بحقها وانتقلوا إلى التصويب على سلاحها باعتباره بنظرهم خطراً كامناً قد يتم استخدامه في وقت لاحق، والمدخل السليم لإنجاح هذا الحوار يبدأ من خطوة أساسية وضرورية هي الإقرار بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب العربي الفلسطيني في الداخل والخارج والتخلي عن سياسة التوازي والبحث عن بدائل وشركاء بعدما ثبت فشل كل هذه المحاولات في السابق، والانخراط في أطرها ومؤسساتها وهياكلها، والالتفاف حول شعار الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف بما يفرض توحيد كل الجهود من أجل تحقيق هذا الهدف.

يظل الأمل كبيراً في نجاح المحاولة الجديدة لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية مع أن الخشية تظل قائمة، إلا أن هذه الخطوة ستكون اللبنة الأساس لانطلاقة صحيحة جديدة ومتجددة وضرورة لاستعادة زمام المبادرة والبدء بعملية جديدة لاستعادة التوازن وتوحيد  الموقف الفلسطيني على أرضية صلبة تعزز صمود الشعب وتصويب المعادلة وتصفية أثار كل الانقسام المقيت الذي ألحق ضرراً فادحاً بالقضية الوطنية الفلسطينية وصمود هذا الشعب العظيم، فهي فرصة تاريخية تضع الجميع أمام مسؤوليتهم والتاريخ والشعب لن يرحم فلم يعد جائزاً ترف التسويف والمماطلة والرهان على ضياع الوقت فهي لحظة الحقيقة والاستحقاق فالوحدة الوطنية هي الثابت في وجه المتغير والذهاب إلى الانتخابات أي العودة للشعب الذي يقول كلمته ويحدد مواقفه وتوجيهاته.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.