إنصاف الشفيع
تزخر الذاكرة الشعرية والغنائية للشعب السوداني بالكثير مما مرّ به السودان على مدى سنين طويلة، وساهم ذلك في حفظ كثير من الوقائع والأحداث المهمة من تاريخ السودان وصونها من أن يبتلعها النسيان، وهو أمر لا يقل أهمية عما كتبه المؤرخون والسياسيون عن هذه الأحداث…
تتصدر ثورة أكتوبر المجيدة هذه الأحداث، بما كُتب حولها من أشعار وأغانٍ نشأت عليها الأجيال المتعاقبة، فكان «أكتوبر الأخضر» لمحمد المكي إبراهيم، و«ويا ثوار أكتوبر يا صناع المجد» لصلاح أحمد إبراهيم، وغناء موسيقار الأجيال العظيم وردي، و«الملحمة» الخالدة التي سطّرها شعرًا الأستاذ هاشم صديق، وأبدع في تلحينها وأدائها الموسيقار محمد الأمين، عليهم جميعًا الرحمة والمغفرة، وغيرها من الأكتوبريات الخالدة التي ما زالت الأذن السودانية تطرب لترديدها بمناسبة وبغير مناسبة، بل وتستدعيها الذاكرة مع ذكر كل ثورة للشعب السوداني، فكانت «جددناك يا أكتوبر في أبريل» للراحل صلاح مصطفى، إلا أنه كان لوردي نصيب الأسد في التغني لأبريل والانعتاق من هيمنة حكم العسكر، فجاءت «بلا وانجلى» تحكي لسان حال كل السودانيين التواقين للحرية والعدالة والكرامة، و«ويا شعبًا لهبك ثوريتك»… وغيرها من الأناشيد والأغنيات الوطنية بأقلام نخبة من الشعراء وأصوات عدة فنانين صدحوا بها متغنين.
أما ثورة ديسمبر المجيدة، والتي وُئدت في مهدها… فمنذ بداياتها كانت تستصحب ذكرى أكتوبر وأبريل، وجاءت إحدى أعظم هتافات مواكبها: «عائد عائد يا أكتوبر… عائد عائد يا أبريل»… وتغنى الثوار بأشعار حميد ومحجوب شريف والقدال وأزهري محمد علي، كما ظهرت أقلام شابة مثل معد شيخون ومروة بابكر وغيرهما، وغنّى للثورة شباب مثل أيمن ماو وفرقة «أصوات المدينة» وA.G.
في رأيي أن أشعار وأغاني أكتوبر حظيت بهذا الانتشار والخلود الفني لأنها كانت أول ثورة من نوعها في السودان وفي المنطقة العربية، فقد استحقت مثل هذا الاحتفاء من شعب محب للحرية، محب للشعر والموسيقى والكلمة المغناة، فكان أن ظلت هذه الكلمات تحفظ تاريخًا من النضال من أجل الحرية، وربما كان لها الدور الأكبر في الدعوة للثورة على الظلم والاستبداد والبحث عن قيم العدالة والمساواة كلما ادلهمّ ليل الظلمات وانقضّ على السلطة من يسوم الشعب ألوانًا من الذل والهوان.
أما ثورة أبريل، فسرعان ما أُجهضت أحلام السودانيين بوطن حر ديمقراطي بقيام الإنقاذ، كما أُجهضت قبلها ثورة أكتوبر، إلا أن القبضة الحديدية للإسلاميين والعسكر، والتي امتدت لسنوات فاقت الثلاثين عامًا، قد أصابت معظم السودانيين باليأس، وهو الأمر الذي لم يحدث سريعًا عندما أُجهضت شعارات أكتوبر، ولم يفقد الشعب إيمانه بها قيام، فاستمر التغني بالثورة وبشعاراتها… حتى قيام حكومة مايو، بل وظلت أكتوبر نموذجًا وحلمًا يحيا كلما لاحت بوادر ثورة في الأفق، مثلما هو واضح في شعارات ثورتي أبريل وديسمبر.
إن ثورة ديسمبر المجيدة، والتي زلزلت عرش الطغاة، كانت لتمثّل علامة فارقة في تاريخ السودان من نواحٍ عديدة لو قُدّر لها الاستمرار حتى الوصول لغاياتها السامية، ولخلّدت في كتب التاريخ بأحرف من نور، ولعكس أبناؤها للعالم صورة نادرة لثورة سلمية سطّروا فصولها على الأرض وتغنوا بها شعرًا وغناءً ردّده العالم خلفهم…
ولأن الطغاة لا يحتملون رؤية صباح الحرية يشرق على أرض السودان، فقد اختاروا بدلًا عن ذلك ليل الحرب الطويل، فغاب الصباح وسكت الثوار عن السلام المباح.

Leave a Reply