مشاعل الثقافة في أكتوبر وديسمبر

صحيفة الهدف

محمد شريف

بمناسبة الذكرى المجيدة لثورة أكتوبر، يقف الوجدان السوداني أمام محطتين فارقتين في تاريخه المعاصر؛ إذ لم تكن ثورةُ أكتوبر 1964 وثورةُ ديسمبر 2018/أبريل 2019 مجرد هبّات سياسية لإسقاط الشمولية، بل تشكّلان زلزالين ثقافيين أتاحا إعادة تعريف الفضاء العام والعلاقة العضوية بين المبدع والمجتمع. وإذا ما تأملنا أثر الثورتين عبر المحاور الثقافية الأربعة الأساسية، نجد أن كلتا اللحظتين عبّرتا عن نضج أداة العصيان الثقافي ووعي الجيل الذي قادهما، مع تطوّر هائل في وسائط الفكرة وآليات التعبير.

ففي محور تحرير المخيلة الإبداعية، انتقل الفنُّ في ثورة أكتوبر من خانة الانكفاء والتعبير الترميزي المشفّر الحذر تحت وطأة الحكم العسكري الأول إلى العلن المباشر، حيث استردَّ الفنان دوره الجماهيري كفاعل نضالي يتقدم الصفوف، بينما ارتقت ثورة ديسمبر 2019 بهذا التحرير إلى أقصاه، لتصنع مساحة حرية مطلقة جسّدها اعتصام القيادة العامة، حين تحوّلت جدران المدن السودانية إلى معارض جدارية مفتوحة تخاطب الشارع بلا رقابة وتوثّق للبطولة والشهادة في التو واللحظة. وعلى صعيد المؤسسات الثقافية، اتجهت ثورة أكتوبر فور انقضائها نحو بناء المؤسسات الوطنية الرسمية والنقابات والهياكل الأكاديمية الراسخة، كالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، لترسيخ التفرغ الفني والتدريب الأكاديمي، بينما تجاوزت ثورة ديسمبر 2019 الأطر المؤسسية التقليدية نحو نموذج الشبكات الفضفاضة والمستقلة، كأجسام المقاومة والمجموعات المستقلة التي أبقت الفعل الثقافي حياً في الأحياء دون ارتهان لدعم الدولة أو هيئاتها.

أما في محور صياغة الهوية الوطنية، فقد أسست ثورة أكتوبر الهوية الكلاسيكية القائمة على الاستلهام من التراث والدمج بين العروبة والأفريقية عبر الرمزية النيلية والوسطية، في حين عمّقت ثورة 2019 هذا المفهوم لينتقل من المركز نحو كل الأقاليم عبر إقرار ديمقراطي بالتنوع والاحتفاء بالمكونات النوبية والبجاوية والدارفورية كركائز أصيلة. وتأتي الأدوات والوسائط التعبيرية لتكشف الفارق الزمني والتقني الكبير بين الثورتين؛ فبينما اعتمدت أكتوبر على القصيدة العمودية الفخمة والأغنية الوطنية الأوركسترالية الكلاسيكية والإذاعة الرسمية لمنفستو التعبئة، اندفعت ثورة 2019 بأدوات العصر الرقمي، مستخدمةً أشكال الراب والجرافيتي وسينما الشارع، بالتوازي مع البث المباشر ووسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت احتكار الإعلام وقادت الديمقراطية الشبكية التفاعلية.

إن المقارنة بين الثورتين تؤكد أن الشعلة التي أوقدها جيل أكتوبر لم تنطفئ، بل تضاعف وهجها وتطورت أدواتها على أيدي جيل الشباب في 2019، ليبقى الفن السوداني دائماً الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها عهود الاستبداد، والذاكرة الحية التي تجدد أمل الأمة في الحرية والسلام والعدالة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.