أبوبكر ضياء الدين
في البدء كانت المحبة، أو هكذا أعتقد. كان الاحتياج والحاجة، أو كما يقال: (فطرة التجمع والاجتماعية). لذا، وُلدت ضرورة النوع للنوع، وحاجة التجمع الإنساني لتبادل سدّ الاحتياج للاستمرارية والبقاء. وارتبط ذلك بالمكان كمعطى مضاف يُكسب البقاء الاستقرار. لذا، تداخل المكان مع الإنسان، وتحول من دالة وجودية إلى نقاط محورية ترتبط بالتاريخ والذاكرة والحنين، وانتقلت العلاقة من الألفة إلى (المحبة والميل)، فتخلقت رابطة تمثلت في علاقة جدلية؛ فللإنسان شخصيته المرتبطة بالمكان، وللمكان (شخصيته) المرتبطة بالإنسان. فكانت (المحبة) وتبادل المنفعة…
وعند غياب هذه المحبة أو زوالها، تنفرط كل هذه السلسلة الجدلية، بل ويصل الحال إلى غياب الفطرة الإنسانية في التجمع والاجتماع، مع فقدان الرابط التاريخي والحياة المشتركة في المكان. وقد يصل الحال إلى البحث عن سلامة الوجود والبقاء بالانعزال والانفصال…
وعن (المحبة) أتحدث، والوطن أقصد.
(عنتر) لم ينل (عبلة)، ليس لغياب (المحبة) بينهما، ولكن لغياب (المحبة) في المجتمع الذي يتبادل النفع والمنافع المشتركة، فافتقدها، وبالتالي افتقد تبادل (المحبة). بمعنى أن (عنترة) كان يفتقد المحبة في تجمعه الاجتماعي، وهذا التجمع يرى نقصًا إذا انتسب (عنترة) إليه. لذا، حاول عنترة استعادة الثقة في نفسه عبر العمل على تغيير نظرة الآخرين عنه، لا عبر نظرته إلى نقص الآخر الذي يحتاج إلى تصويب الوعي فيه.
المهم… بذل (عنترة) نفسه وقاتل لحماية (مجتمعه)، ولم تتغير نظرة المجتمع إليه حينها، فلم ينل رضاه ولم يفز بـ(عبلة)، لأن الخلل أساسًا في بنية قيم المجتمع، لا فيه.
إذن، فإن ثورة 21 أكتوبر، وما تلاها في التاريخ الوطني من (انتفاضات)، لم تحقق حلم الفوز بـ(عازة) للشعب السوداني؛ لخلل في منظومة قيمه المجتمعية، لا لتقصير فيمن ضحّى وثار ونظّم الهتافات.
(سيظل خليل فرح يغني «عزة» ولا ينالها).
المهم… في هذه الذكرى، أقولها وأنا العاشق لعازة: تعالوا نصلح قيم المجتمع أولًا، لنحقق (الثورة) بمعناها الحقيقي ومضامينها. وشرط ذلك لا يتم إلا عبر تبادل (المحبة).

Leave a Reply