م. إمام الحلو
الثورات الشعبية لا تندلع بسبب الظلم، إنما بتنامي الوعي بالظلم. والثورة الشعبية تنفجر “بغتة”، وليس من السهل تحديد زمانها ومكانها. لكنها تنفجر عندما تصل ذروتها مرحلة من الاندفاع الجارف و”كسر حاجز الخوف”، أي عندما تصل الجماهير الثائرة إلى مرحلة يتفوق فيها الدافع للتغيير على الخوف من القمع. وتصل قمتها “لحظة الأزمة” أي عندما تعجز أجهزة النظام الباطشة من استخدام أدواتها القمعية ويصيبها الشلل، فينهار النظام ويسقط.
والثورات لا تعيش للأبد، وشعار (عاشت الثورة) شعار حالم لا يمت للواقع ولا للتاريخ بصلة، فإما أن تنتصر الثورة وتحقق شعاراتها وتتحول إلى مرحلة التغيير والبناء، أو تفشل فتخبو وتنزوي، وتبقى ذكراها عالقة في وجدان الجماهير. مثال لذلك (شعبان/أغسطس 1973)، وست انتفاضات متتالية في عهد الإنقاذ المباد، منها انتفاضة (سبتمبر 21013)،
ثورة (21 أكتوبر 1964) هي أول ثورة شعبية أطاحت بأول نظام عسكري (17نوفمبر 1958). وحققت شعاراتها السياسية بتغيير النظام الدكتاتوري العسكري الأوتوقراطي (نظام عبود).
عقد طلاب جامعه الخرطوم ندوة حول مشكلة جنوب السودان، فى مساء الاربعاء (21 اكتوبر 1964) بمجمع الداخليات بالحرم الجامعي، فأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي على الطلاب، وكان من بينهم الطالب احمد القرشي طه، الذي استشهد في الحال، واصيب اخرون من بينهم الطالب بابكر عبدالحفيظ الذي استشهد لاحقاً فى (26 نوفمبر).
تواصلت المظاهرات فى العاصمة يوم الخميس (22 اكتوبر). وحُمل جثمان الشهيد القرشي الى ميدان عبدالمنعم بالسجانة، وسارت خلفه جماهير غفيرة من مستشفى الخرطوم حتى السجانة. وبعد صلاه الجنازة التي أمها الصادق المهدي، رُفع الجثمان داخل شاحنة لنقله الى قرية القراصة موطن الشهيد. وهنا هتفت الجماهير الهادرة بإسقاط النظام والاستمرار فى الثورة. وحصبت وأحرقت بعض عربات الجيش والشرطة. واندلعت المظاهرات تعم معظم مدن السودان.
فى يوم الاحد (25 أكتوبر) اجتمعت القوى السياسية من الأحزاب والنقابات وأعلنت الاضراب السياسى والعصيان المدني. وتواصلت المظاهرات والاحتجاجات، وقدمت الثورة أكثر من 40 شهيداً في شوارع الخرطوم.
توحدت القوى السياسية التي تعمل تحت مظلة “الجهة الوطنية”، مع “جبهة الهيئات” التي تضم النقابات والاتحادات العمالية والمزارعين، وكونت “الجبهة القومية المتحدة” وفاوضت الفريق عبود لتصفية النظام العسكري، مثلها الصادق المهدي ومبارك زروق واحمد السيد حمد. وفى يوم الخميس (29 أكتوبر) اُعلن الاتفاق على تشكيل حكومة مدنية انتقالية مدتها ستة أشهر. وهكذا اُعلن عن انتصار ثورة أكتوبر المجيدة، وسقوط نظام عبود العسكري.
الحرب في جنوب السودان وقتها، كانت الشرارة التي اندلعت منها ثورة أكتوبر، أما حرب ابريل الراهنة، شملت ربوع السودان الجغرافية والاجتماعية. والثورة القادمة – لا محالة- ستكون ثورة شعارها التغيير الشامل، سياسي واجتماعي وثقافي واقتصادي، لتحقق مولد جديد لوطن يسع الجميع.

Leave a Reply