ملكة الفاضل
مياه كثيرة جرت تحت الجسور.. وكم جسر نشأ منذ أكتوبر 21، وارتفع ليشهد جريان المياه تحته! لم تكن مجرد ثورة يُحكى عنها التاريخ، وإنما كانت لوحة متعددة الأبعاد، ترسمها مخيلة متعددة الرؤى، لا يحدها أفق ولا تقيدها اتجاهات. كان لونها التفاؤل، وصبغتها الفخار، وإطارها الشموخ، وتوقيعها شعب اسمه: «من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر».
كانت وشاح مجد ائتزر به كل منتمٍ لذاك الشعب.
كنت ترى نظرات تأبى أن تفارق وجه مستمع أو مستمعة لحكاية راوٍ أو راوية شارك أو شهد أحداثًا كانت تُعدّ نفسها لتزيين صفحات الزمان. كنت تستمع لحكايات طلاب المرحلة الثانوية من (القوز الثانوية) أو (النيل الأبيض)، وهم يتحدثون عن مظاهرات شاركوا فيها انحيازًا لثورة أكتوبر واحد وعشرين و«صحوة شعب جبار». ويصير افتتانك انبهارًا وأنت تستمع لمن شاركوا في مشهد من طريق الجامعة، و«ما أروعه».
ويختلط الحزن بالغضب وأنت تسمع كيف استشهد القرشي وبابكر عبد الحفيظ، وكيف تعرضت زميلات لهما للضرب والعنف، وكيف استقبلت (القراصة) مواكب تشييع فقيدها القرشي. ويختلط الاعتزاز بالغضب والحزن، وتظل صورة القرشي لا تفارق الذاكرة.
وتعود الذاكرة القهقرى لتستعيد تلك الكلمات التي كانت أنشودة حفظها تلامذة المدارس، وتغنى بها الأطفال بِلَثْغَتِهم ولحن الكلام: «في 17 عيد الشعب دا يوم ميلادو..». وبعدها بسنوات، ارتفع الهتاف في كل أنحاء الوطن: «دماء القرشي فداء الشعب».
وبعيدًا عن شباك سؤال لا ينفك يطرح نفسه: هل نحن نكتب الأناشيد، أم الأناشيد هي التي تكتبنا؟ سنظل نحدث عن ثورة أكتوبر التي ضخت في الروح ما يجعل الجسد طوع أحلامها وبنودها ورؤاها. سيظل الحنين لما مثلته هبة الشعب الجبار دفاقًا دؤوب السريان.
ستظل أكتوبر ملحمة أبدع في إنشادها محمد الأمين والمجموعة، فحفظها عن ظهر قلب الصغار والكبار، وقامت بأدائها على مسرح مدرسة كوستي الثانوية تلميذة جسورة وزميلات لها، فتجاوب معها الجمهور بالتصفيق والهتاف.
ورب جسر يظل شاهدًا على أن ما يجري من مياه لا يجرف معه روحًا لا تعرف الانكسار.
وكل أكتوبر وأنتم بخير، والوطن هو الوطن.

Leave a Reply