ثورة ٢١ أكتوبر: هل فشلت ثقافة الثورة أم ثورة الثقافة؟؟؟

صحيفة الهدف

أحمد محمود أحمد

هذا المقال يبحث ويشتغل حول جدلية ثقافة الثورة وثورة الثقافة، ومن ثم عكس ذلك على ثورة أكتوبر، التي قد شكّلت لحظة فارقة في تاريخ السودان، وكذلك يمكن عكس ذلك على انتفاضة مارس-أبريل وثورة ديسمبر، والأهم في كل ذلك هو ضرورة إعادة بناء المفاهيم حول مفهوم الثورة ومدياتها.

وفي هذا الاتجاه، يمكن القول إن ثورة أكتوبر قد نجحت بوصفها ثورة على السلطة، ولكنها لم تنجح، ومن خلال الفاعلين، في تحويلها إلى ثورة على الثقافة التي تنتج السلطة وتعيد تكرار الدائرة الشريرة وسيطرة العسكر على الحياة العامة، ولهذا فقد دخل السودان في الفراغ السياسي حتى لحظة قيام هذه الحرب.

ما أرمي إليه في هذا المنحى، فإن ثقافة الثورة مهمة، والتي عناوينها هي المظاهرات، والإضراب، والتحام الشارع، والشعارات الثورية، والتحالفات، والعصيان المدني، وثقافة المواجهة والقابلية للاستشهاد، وهذه الثقافة هي التي أسقطت الديكتاتورية الأولى في السودان، لكن الثورة لم تكتمل لأنها افتقدت ثورة الثقافة، أو بشكل أدق، افتقدت الثورة على الثقافة السائدة والمتمثلة في سيادة مفاهيم القبيلة والطائفية، وغياب مفهوم المواطنة والوعي بالاختلاف والهوية.

أي بمعنى أدق، لم تستطع القوى السياسية، وبعد نجاح الثورة، تغيير بنية التفكير السائدة داخل المجتمع السوداني، ولا بنية طبيعة النظام السياسي الذي تنظر فيه بعض الأحزاب إلى الديمقراطية بوصفها لعبة كراسٍ، وليست منظومة تسعى لتغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

من هنا، فإن ثقافة الثورة في أكتوبر ١٩٦٤ قد شكّلت لحظة الانتصار الكبرى، ولكنها لم ترتبط بتغيير بنية الثقافة السائدة، وهو ما جعل التجربة السودانية، وإلى اللحظة الراهنة، خارج إطار مدلول ثورة الثقافة، التي من شأنها تغيير طبيعة المجتمع من أجل سيادة مفهوم الديمقراطية كسلوك أولًا، وكتجسيد لمعنى الاختلاف من أجل التعايش خارج دائرة النفي والنفي المضاد.

وهذا لن يتحقق إلا من خلال إعادة بناء المفاهيم حول مدلول الثورة، حيث إن الثورة هي تغيير بنيوي وشامل في طريقة بناء الدولة وعلى أسس جديدة وعصرية، تقطع صلتها بخطابات العنصرية والكراهية، وألّا يلجأ المواطن إلى قبيلته وطائفته لأن دولته لا تسعه، وألّا يلجأ هذا المواطن إلى السلاح لأنه قد حُرم من التعبير عن ذاته بحرية، وألّا تكون الدولة فريسة المحاصصات، وألّا تؤول لفئة دون أخرى.

وبهذا المعنى، فإن تجذير الثورة الثقافية في السودان يبدأ بالإنسان المدرك لحقوقه، والذي يحترم حقوق الآخرين، والذي يقبل بحوار الثقافات لا تنافرها، وهذه هي الثقافة التي يجب أن نسعى لتعميقها في المجال السوداني، مع بقاء مرتكزات ثقافة الثورة قائمة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.