أكتوبر كانت ثورة وعي سياسي وثقافي وجماهيري

صحيفة الهدف

بقلم البخيت النعيم

تمر علينا الذكرى الثانية والستون لثورة أكتوبر المجيدة، والتي تعتبر مرجعًا ودرسًا تاريخيًا للشعب السوداني، حيث نستلهم منها التجربة وقوة الإرادة وشعار الإضراب السياسي والعصيان المدني، الذي من خلاله أسقط شعبنا نظام الفريق إبراهيم عبود العسكري، الذي حكم البلاد منذ ١٩٥٨م حتى انتصار ثورة أكتوبر ١٩٦٤م.

ثورة أكتوبر قادتها جماهير شعبنا في العاصمة القومية والأقاليم، وكان الفاعلون فيها الأحزاب والنقابات والحركة الطلابية والمرأة وقوى الريف والمزارعين والرعاة والعمال وصغار الكسبة، وكان للمواعين الثقافية في الآداب والفنون دور متقدم.

أكتوبر كانت درسًا للانتقال السياسي

كانت ثورة أكتوبر محطة ملهمة نستلهم منها دروس الانتقال السياسي، فالثورة جاءت بعد تراكم المظالم والفشل في إدارة الدولة ورهن البلاد للمعونات الأجنبية، وتصاعدت الحرب الأهلية في جنوب السودان، وضُيِّقت الحريات العامة، ولم يُلتزم بمطالب الحركة الجماهيرية (النقابات)، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية. لهذه الأسباب وغيرها، اصطفّت القوى الوطنية وتوحدت في وسائلها وأهدافها عبر شعار الإضراب السياسي والعصيان المدني، حتى سقط نظام ردة نوفمبر الذي قاده الفريق إبراهيم عبود في ٢١ أكتوبر ١٩٦٤م، وأُقيمت فترة انتقالية.

دور الواجهات الثقافية للآداب والفنون كان ملهمًا للثورة

ثورة أكتوبر استخدمت فيها جماهير شعبنا كل الوسائل السياسية والاجتماعية والأهلية والتعليمية والثقافية، وكان للعمل الثقافي دور متقدم. فقد أُقيمت المعارض الثقافية والجمعيات الأدبية، حيث شارك فيها الأدباء والشعراء والفنانون بدور طليعي ساهم في تصعيد عمل المقاومة الشعبية. ومن أبرز العناوين المبدعة للثورة الأديب والشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم، الذي كتب قصيدته المشهورة:

باسمك الشعب انتصر

حائط السجن انكسر

كما كتب الأديب والشاعر والصحفي فضل الله محمد قصيدته الاشتراكية التي غناها الفنان عثمان حسين، ومن مقاطعها:

يمين يا بلدي تنتصري

تبقي عظيمة تزدهري

نفكر فيكي بحرية

نحصل كل ما فاتنا

ونبني الاشتراكية.

كما كتب الأديب والشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري قصيدة «عرس الدم».

وأيضًا كتب الشاعر علي عبد القيوم قصيدة «رفاق الشهداء» التي غناها الفنان محمد وردي.

كما كتب السياسي والشاعر عبد المجيد حاج الأمين قصيدة «هبت الخرطوم في جنح الدجى».

ومن الأغنيات الخالدة لثورة أكتوبر «الملحمة» أو «قصة شعب»، التي كتبها الشاعر هاشم صديق عام ١٩٦٦م، ولحنها الموسيقار الفنان محمد الأمين.

كما كتب الشاعر موسى صالح قصيدة «يقظة شعب» التي غناها الفنان محمد وردي، ومن مقاطعها:

نحن في الشدة بأس يتجلى

من أجل برنامج إسعافي لوقف الحرب وبناء الوطن

تمر الذكرى الثانية والستون لثورة أكتوبر، والوطن يعيش حربًا عبثية دمرت البلاد والعباد منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، ولا تزال مستمرة، مما يجعلنا نحشد كل قوانا الفكرية والسياسية والثقافية والجماهيرية من أجل وقف الحرب فورًا والتفكير في برنامج إسعافي يتدارك أخطاء المظالم التاريخية. ومن أهم عناوين البرنامج الإسعافي:

– وقف الحرب عبر التفاوض والحوار في إطار وحدة الوطن وترسيخ الثوابت الوطنية.

– بناء الوطن والدولة، وإعادة إعمار المدن والقرى والريف في كل الولايات، وإرساء سيادة حكم القانون واستقلال القضاء وإطلاق الحريات العامة.

– ضرورة إقامة العدالة الانتقالية في الفترة الانتقالية لكي نبني الثقة بين الناس، وتوحيد الوجدان السوداني، ونبذ خطاب الكراهية.

– مشروع العدالة الانتقالية يعني كشف الحقائق والمحاسبة القانونية للذين ارتكبوا جرائم الحرب، وكل الذين أشعلوا الحرب، مع ضرورة جبر الضرر وتعويض الضحايا.

– ضرورة الإصلاح الإداري المؤسسي في الخدمة المدنية.

– ضرورة إصلاح المؤسسات النظامية: الجيش والشرطة والقوات الأمنية، وتحديد مهامها وفق الدستور.

– ضرورة ربط الانتقال السياسي بعد وقف الحرب بتحديد سقف زمني محدد لفترة الانتقال ووضع أهداف محددة لإنجازها.

– يجب أن نؤسس اقتصادًا وطنيًا معافى يقوم على الشفافية والوضوح، وتحويل ثروات البلاد الطبيعية والإنتاجية الزراعية والصناعية إلى تنمية متوازنة لكل السودان.

– يجب الاهتمام بالعملية التعليمية في كل المستويات من أجل بناء عقول قادرة على التفكير والإبداع، لصناعة مشروع نهضوي.

– ضرورة الاهتمام بالمشاريع الثقافية، فالثقافة هي التي تمنح المجتمع شخصيته؛ لذلك علينا حماية التراث الثقافي، واسترداد منهوبات المتاحف، وتشجيع الإنتاج الثقافي والإبداعي، وتعزيز ثقافة السلام والحوار وقبول الآخر.

– علينا تعزيز مقومات الهوية الوطنية واحترام التنوع الثقافي، لأنه يعزز الوحدة الوطنية، فالهوية الوطنية تُبنى بالتربية والتعليم والثقافة والإعلام.

– كما علينا الاهتمام بالإعلام بكل أنماطه ووسائله من أجل صناعة الوعي.

– ضرورة الاهتمام بقضايا المرأة والشباب، لأن الشباب هم صناع المستقبل.

– ضرورة الاتفاق على عقد اجتماعي ودستور دائم تشارك فيه كل جماهير شعبنا.

إن تحقيق هذه المشاريع والعناوين الوطنية لا يمكن إنجازه إلا بوقف الحرب التي أدخلت البلاد في نفق مظلم وحافة الانهيار، فإن وقف الحرب ضرورة رافعة من أجل بناء الدولة والمجتمع على أسس العدالة والمساواة والدولة المدنية المعاصرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.