إلى متى يهرب السودانيون من القصف إلى المجهول؟ الغارات الجوية والمسيّرات تُفاقم النزوح وتُهدد الحق في الحياة

صحيفة الهدف

قلم: آدم رجال

20 أكتوبر 2026

في السودان، لم يعد النزوح ضمانة للنجاة من الموت؛ فالمدنيون الذين غادروا منازلهم هرباً من الح.رب باتوا يواجهون مخاطر القصف والغارات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة في مناطق نزوحهم. وبينما يبحثون عن ملاذ آمن، يجد كثيرون أنفسهم أمام خيار قاسٍ: البقاء تحت تهديد الموت أو الفرار مجدداً إلى المجهول.

وخلال أقل من عشرة أيام، شهدت مناطق متعددة هجمات بطائرات مسيّرة طالت مواقع مدنية في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، من بينها سوق المواشي، ومنطقة الدبب، وسوق النعام، إلى جانب مناطق أخرى. وتثير هذه الوقائع مخاوف متزايدة بشأن سلامة المدنيين في الأسواق ومناطق التجمع والإيواء، وتؤكد ضرورة التحقق من ملابسات كل حادثة وحصيلة ضحاياها، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى أدلة موثوقة.

ولا تقتصر آثار هذه الهجمات على الق.تلى والجرحى وتدمير الممتلكات؛ بل تمتد إلى توسيع رقعة النزوح، وإجبار أسر سبق أن فقدت منازلها ومصادر رزقها على الفرار مرة أخرى. كما يؤدي استهداف المناطق المأهولة وتعطيل الخدمات الأساسية إلى صعوبة الحصول على الغذاء والدواء ومياه الشرب، ويزيد الضغط على المجتمعات المستضيفة ومواقع الإيواء محدودة الموارد.

وتتفاقم المعاناة بصورة أكبر لدى النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون مخاطر مضاعفة في ظل نقص الخدمات الصحية والغذائية والحماية. كما يحرم النزوح المتكرر الأطفال من التعليم، ويقطع مصادر دخل الأسر، ويعمّق الفقر والصدمات النفسية، ويقوض فرص التعافي الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات المتضررة.

ومن الناحية القانونية، يحظر القانون الدولي الإنساني استهداف المدنيين والأعيان المدنية، كما يحظر الهجمات العشوائية والهجمات التي يُتوقع أن تُلحق أضراراً مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة. لذلك، فإن الوقائع التي تسفر عن سقوط ضحايا مدنيين أو تضرر مواقع الإيواء والمرافق الأساسية تستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة، تضمن حفظ الأدلة والمساءلة عند ثبوت الانت.هاكات.

وأمام هذا الواقع، ندعو إلى اتخاذ خطوات عاجلة تتمثل في:

– حماية المدنيين والنازحين وتأمين مواقع الإيواء والأسواق والمرافق الصحية وسائر الأعيان المدنية.

– إقرار هدنة إنسانية عاجلة تتيح إنقاذ الأرواح وإيصال المساعدات، وتمهد لوقف دائم لإطلاق النار وإنهاء الح.رب.

– ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق وتوفير الغذاء والدواء والمياه والمأوى وخدمات الحماية.

– التحقيق في الهجمات ومحاسبة المسؤولين عن الانت.هاكات التي تثبتها الأدلة، وفق القانون.

– تكثيف الجهود الدولية لتخفيف معاناة النازحين، وتوفير التمويل اللازم للاستجابة الإنسانية، وضمان حقهم في العودة الطوعية الآمنة والكريمة أو اختيار بدائل تحفظ حقوقهم.

إن استمرار الهجمات لا يهدد حياة المدنيين فحسب، بل يبدد شعورهم بالأمان ويجعل النزوح دائرة مفتوحة من الخسارة والخوف. فالنازح الذي فرّ من الموت لا ينبغي أن يطارده الموت إلى ملاذه، والسوق الذي يقصده المواطن لتأمين قوت أسرته، وموقع الإيواء الذي يلجأ إليه بحثاً عن الحماية، يجب ألا يتحولا إلى مصدر جديد للخطر.

إن حماية حياة السودانيين وكرامتهم مسؤولية قانونية وإنسانية عاجلة. ولا يمكن وضع حد لمأساة النزوح المتكرر دون حماية المدنيين، ووقف الهجمات غير المشروعة، وإقرار هدنة إنسانية تفتح الطريق أمام سلام دائم يضمن الأمن والاستقرار والعودة الكريمة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.