يوسف الغوث
في هذا العالم القاسي، هنالك دماء لا تجري في العروق لتنتهي بموت عابر، بل تسيل لتصنع للتاريخ ذاكرة جديدة، وتقلب موازين الأرض بكلمات معدودات.
هناك رحيل يمر صامتًا كالغبار، ورحيل آخر يثقب جدار الزمن، ليربط بين طفل مذهول من غدر الرصاص في أزقة فلسطين، وشاب طاهر باغتته النيران في جوف الصحراء، وهو يبحث عن كفاف يومه…
إنهما الشهيد محمد أحمد الدرة، والشهيد الطيب الفاتح؛ روحان التقتا في ملكوت المظلومية، وافترقتا في تفاصيل الوداع.
عندما سكن الرصاص جسد الصغير محمد الدرة في عام 2000، كان يختصر بؤر العذاب العربي برعشة جسده الغض خلف ذلك البرميل الإسمنتي البارد. لم يكن يملك من أمره شيئًا سوى الخوف؛ يرتجف عاجزًا عن فهم عالم يطلق النار على العصافير قبل أن تحلّق… سقط رأسه الصغير فجأة ليعلن موت الطفولة على مرأى من الحكومات العربية التي لم يطرف لها جفن، فأصبح اسمه مرادفًا للبراءة المغدورة، وأيقونة للحق الذي يُنحر جهارًا نهارًا تحت سماء لا تمطر غير النكبات.
دارت السنون، ونبتت في أرض السودان الطيبة طفولة من نوع آخر.
رحل الطيب الفاتح إلى الصحراء الممتدة في شمال الوادي، حاملًا بين ضلوعه هموم عائلة طحنتها ظروف السودان المأزومة. لم يذهب غازيًا ولا عابثًا، بل ذهب يفتش بين الصخور عن لمعة ذهب تستر بيته وتطعم أهله، طمعًا في لقمة العيش الحلال.
لكن الغدر الذي طال الدرة في زحام المدن، لاحق الطيب في عزلة القفار، فانهمرت النيران من جوف السماء لتسحق تلك الأجساد النحيلة المنهكة.
لكن، في اللحظة الفاصلة التي تخلع فيها الروح أثواب الدنيا، تجلّت عظمة النفس الإنسانية في أبهى صورها.
بينما كان الموت يحاصر الطيب الفاتح، والنزيف يسرق من جسده بقايا الحياة، غابت عنه غريزة النجاة الفردية. لم يلتفت إلى جراحه أو صراخ رفاقه الباكين حوله؛ كان كل همه أن يلقى الله بقلب سليم، وذمة بيضاء لا تشوبها شائبة.
التفت إلى رفاقه، وبصوت متهدّج يخرج من بين حشرجات الصدر، رتّل وصية التقاة والأنبياء، قائلًا لهم: «يا إخواني، أنا عافي عنكم وراضي عنكم، وإنتوا ذاتكم اعفوا لي… في واحد عايز مني كيلتين سمسم، أدوها ليهو، وقروشي الدايرها من فلان طلّعوهن لي صدقة».
إنها الأمانة السودانية الأصيلة التي تجذّرت في دمه، فجعلته يرى ميزان العدل الإلهي منصوبًا أمامه في قلب الصحراء، فخاف الخصومة عند رب العباد، ورحل نقيًّا يفوح منه طهر الوفاء.
إن ما يجمع محمد الدرة والطيب الفاتح هو التحام تراجيدي بين جرحين أثخنا جسد هذه الأمة؛ فقد مثّل الدرة باستشهاده فزع البراءة، فمات حاملًا دهشة الطفولة من قسوة البشر.
أما الطيب الفاتح، فقد جسّد بوفاته شرف التقوى والشهامة؛ شاب يلوذ بالصحراء هربًا من بطش الفقر، فمات معاتبًا قسوة الأيام، مستسلمًا لقضاء الله.
كلاهما مات مظلومًا في ريعان العمر، لكنهما تركا وراءهما سيرة لا تموت، تذكّرنا دائمًا بأن دماء الأنقياء، سواء سقطت في أزقة غزة أو على رمال الصحراء الحدودية، ستظل أمانة معلّقة في أعناق التاريخ، ومنارات تضيء دروب الشرف لكل من يبحث عن معنى الطهر.
فما بين رصاصة اخترقت جسد الدرة وصاروخ مزّق حياة الطيب، تقف حكومات الذل والمهانة عاجزة عن فهم كيف يموت الأنقياء مرتين…

Leave a Reply