ليست العلاقة بين ما هو وطني وما هو قومي عربيًا مفاضلةً بين انتماءٍ قريب وآخر بعيد، ولا صراعًا بين خاص وعام في إطار حقيقة الأمة؛ إنها علاقة جدلية يتفاعل فيها الجذر مع الأفق، والخصوصية مع المشترك، والواقع مع الحلم الذي يسعى إلى تغييره. فالقطر ليس محطةً عابرة في الوعي القومي، كما أن الأمة ليست فضاءً مجرّدًا من خصوصيات الأقطار التي تمنحها الحياة والمنعة ودفء المعنى.
من هنا، لا يُنظر إلى الثقافة الوطنية والثقافة القومية بوصفهما نقيضين، بل باعتبارهما مستويين متكاملين في بناء الوعي القومي والتعبير عن حقيقة الأمة، لا واقعها المجزأ. فالثقافة القومية هي نقطة البدء الواقعية وطنيًا؛ منها تتشكل الذاكرة الجمعية، ويتجسد المصير الواحد في تفاصيل الحياة وتطلعات الجماهير، وتتحدث الأرض باللغة العربية وبلهجات أهلها وتجاربهم وآلامهم وآمالهم وطموحاتهم. ومن هذه الخصوصية الحية، التي أقرّها حزب البعث منذ مرحلة التأسيس على مستوى الأمة، تنطلق الثقافة الوطنية، استنادًا إلى الإقرار المبدئي بالخصوصيات الوطنية، لا لتمحو الفوارق أو تصادر التنوع، بل لتكتشف ما يصل التجارب الوطنية بعضها ببعض، وما يمنحها أفقًا أرحب للتفاعل والثراء والعطاء، وقدراتٍ على مواجهة المصير الواحد.
فالثقافة الوطنية، بهذا المعنى، ليست مخزونًا من الذاكرة يُستعاد فحسب، بل تجربة حية تتغذى وتتجدد؛ تحفظ من الماضي ما يمنح الحاضر جذوره وجذوته، والمستقبل هويته وآفاقه، وتتجاوز ما يعيق تقدمها، وتفتح للإبداع والمعرفة والنضال طريقًا إلى المستقبل. فالأصالة ليست تكرارًا لما كان، ولا تحويلًا لعظمة الماضي إلى غول يبتلع الحاضر والمستقبل، بل هي القدرة على مواصلة إنتاج المعنى بالفكر والنضال في مواجهة مستجدات واقع لا بد من تغييره.
إن الوطنية التي تنغلق على حدودها بدواعي الخصوصية تفقد قدرتها على رؤية مصيرها في سياقه الأوسع، وتوفير متطلبات مواجهته، وقد تتحول من اعتزاز بالخصوصية إلى عزلة، ومن حب للقطر إلى اكتفاء به، بعيدًا عن أسئلة التاريخ والمستقبل. وفي المقابل، فإن القومية التي تتجاوز الواقع الوطني ولا تنصت إلى نبض المجتمعات وتنوعها، تخاطر بأن تصبح خطابًا معلّقًا في الهواء؛ ترفع الشعارات، لكنها تعجز عن ملامسة حياة الناس وتطلعاتهم.
إن قوة الثقافة القومية لا تأتي من إلغاء تنوع الثقافات، بل من تفاعلها الخلّاق؛ كما أن الثقافة الوطنية لا تفقد أصالتها حين تنفتح على عمقها القومي، بل تكتشف أبعادًا جديدة لذاتها.
ويُقاس هذا التكامل بما تنتجه الثقافات من معرفة وإبداع، وبقدرتها على قراءة الواقع الوطني في صلته بمحيطه القومي والإنساني، وعلى جعل الحوار والنقد وتبادل الخبرات وسائل لتعميق الوعي، لا ذرائع لفرض رؤية أحادية أو إقصاء التنوع.
وبهذا التفاعل تتحدد وظيفة الثقافة: ألّا تكون حارسًا للماضي وحده، ولا صدى لشعارات مجردة، بل وعيًا نقديًا بالذات والتراث والتاريخ، وقدرةً على تحويل الذاكرة إلى معرفة ونضال، والانتماء إلى مسؤولية واستعداد، والتنوع إلى مصدر غنى ومنعة وإثراء.
إن العلاقة بين ما هو وطني وما هو قومي، في جوهرها، سؤال عن كيفية بناء المستقبل: كيف نحب أقطارنا دون أن نعزلها عن محيطها؟ وكيف ننتمي إلى أمتنا، ونجعل من وحدتها مصدر منعة لخصوصياتها وطاقة نضالية في سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؟
فالثقافة الحية، كما أكدت تجربة العروبة، لا تُبنى بصوت واحد، وإنما بتعدد الأصوات التي يجمعها السعي إلى الحقيقة القومية وحقوق الإنسان، وإلى مستقبل تتسيده قيم الحوار والعدالة واحترام الخصائص الوطنية والقومية للأمم والشعوب.
ذلك هو التحدي الثقافي الحقيقي: أن تظل الجذور عميقة بما يكفي لحماية الهوية، وأن تظل الآفاق مفتوحة بما يكفي لصناعة الغد المشرق المزدهر.
حزب البعث العربي الاشتراكي
كلمة الهدف
15/10/2026

Leave a Reply