حتى لا تصبح الخيانة والعمالة وجهة نظر

صحيفة الهدف

بقلم المحامي: حسن بيان

في قانون العقوبات اللبناني، كما غيره من القوانين الوضعية، مواد تنص على تحريك الدعوى العامة بناء على شكاية من المتضرر، وهناك مواد تنص على تحريك الدعوى العامة عفواً، سواء كان هناك مشتكٍ أو لم يكن، وذلك لعلاقة ذلك بالنظام العام. وحتى أثناء السير بالمحاكمات، فإن القضاء الذي يضع يده على الملفات يثير القضايا التي تتعلق بالنظام العام عفواً حتى ولو لم يثرها أي من المتقاضين.

إن القانون يشدد ويؤكد على القضايا التي تتعلق بالنظام العام سواء في المواد المدنية أو الجزاىية أو الإدارية لعلاقة ذلك بحق المجتمع والذي يشار إليه في تعبيرات اللغة القانونية والحقوقية بعبارة الحق العام. وهذا حق تمارسه الدولة كممثلة للمجتمع بواسطة المرافق المعنية بالإجراءات التي تصون هذا الحق وتحول دون انتهاك أحكامه. وهذا الحق هو حق ممنوح للأشخاص المعنويين يمارسونه ضمن حدود الضوابط الدستورية والقوانين المرعية الإجراء، ولا يطرأ أي تعديل عليه أو إسقاطه إلا بموجب قانون، كقانون العفو العام، أو ما يمنح استثناء لمن أقسم على حماية الدستور وفي نطاق محصور جداً وهو ما يسمى بالعفو الخاص الذي يمنحه رئيس الدولة.

إن الحق العام، أعطي هذه المكانة الاعتبارية، لأنه يتعلق بموضوع شديد الأهمية، وهو موضوع يتعلق بالانتظام العام، وضرورات الأمن الوطني الذي ينطوي على مقتضيات الأمن المجتمعي في علاقات الداخل كما العلاقات مع الخارج.

وإذا كانت كثيرة هي القضايا التي تتعلق بالنظام العام بما يتعلق بالانتظام الداخلي، فإن القضايا التي تتعلق بالنظام العام الذي تفرضه مقتضيات الأمن الوطني هي محصورة بعناوين محددة. من هذه العناوين، عدم انتهاك أحكام القوانين الدولية والمواثيق والاتفاقيات الدولية التي تكون الدولة المعنية منضمة إليها، علماً أن هذه القوانين والمواثيق والاتفاقيات تتقدم في تطبيق أحكامها على القوانين الوطنية الوضعية عملاً بمبدأ تسلسل القواعد.

كما أنه من هذه العناوين، التقيد بمبدأ عدم تدخل دولة بشؤون دولة آخرى، وعدم تدخل الكيانات والأفراد الذين ينتمون إلى دولة معينة في شؤون دولة أخرى أو في نسج علاقات مع كيانات وأفراد في تلك الدولة، وإلا اعتبر هذا التدخل انتهاكاً للسيادة الوطنية التي تمارسها الدولة على إقليمها وعلى مواطنيها.

إضافة إلى هذه العناوين المشار إليها والتي يعتبر تجاوز أو انتهاك أحكامها وضوابطها خرقاً للنظام العام وبالتالي تعدياً على الحق العام، تبرز قضية العلاقة مع الأعداء. وهؤلاء يندرجون تحت عنوانين، الأول، هم الذين انخرطوا في أعمال حـ.ـربية وهم بالأساس يقيمون علاقات دبلوماسية فيما بينهم ولا مشكلة في اعتراف أحدهم بالآخر أو ربما تكون مقطوعة. والثاني، هم الأعداء الذين الذين لا يقيمون علاقات دبلوماسية فيما بينهم لانعدام الشرط الأساسي وهو الذي يرتكز على عدم اعتراف كلا الطرفين أو أحدهم بالوجود الشرعي للآخر خاصة عندما يكون أحد المطعون بشرعيته هو كيان لم يتشكل في سياق التكون التاريخي للدولة، وإنما تشكل في سياق صـ.ـراع وسيطرة موازين قوى أفضت إلى بروز كيانات سياسية على حساب أصحاب حقوق ثابتة لم تكن موازين القوى في مصلحتهم وإنما في مصلحة الأقوى.

إن الدول تفرض عادة التشدد في تطبيق أحكامها عندما يكون أمنها الوطني عرضة للخطر، وغالباً ما تُعلن حالة الطورائ عندما تكون البلاد في حالة خطر مهددٍ لهذا الأمن، سواء مصدره الداخل أو الخارج.

وعلى هذا الأساس نصت القوانين على تجـ.ـريم كل من يثبت انخراطه بعمل أو تصرف أو سلوك يستشف منه تهديداً للأمن الوطني.

ومن الخروج من التعميم إلى التخصيص، فإن لبنان هو في حالة حرب مع “إسـ.ـرائيل”، ليس لكونها دولة قائمة بالاحتلال لفـ.ـلسطين وحسب؛ وإنما أيضاً لكونها تحتل أجزاءً من أرض لبنان كما من سوريا والأردن.  واحتلالها للبنان قائم وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي وكل المواثيق ذات الصلة التي تنص على عدم  مشروعية الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة. وطبعاً تدور مفاوضات مع هذا العدو ولكنها لم تسفر عن أية نتائج عملية  حتى الأرض، وبغض النظر عما ستسفر عنه هذه المفاوضات، فإن “إسـ.ـرائيل” هي دولة عدوة للبنان وستبقى، لأن طبيعة الصراع محكومة بمبدأ الصراع الوجودي وهذا ما ذهب الكيان الصهـ.ـيوني إلى التأكيد عليه أيضاً.

تأسيساً على ذلك؛ فإن القانون اللبناني، وقبل قيام “إسـ.ـرائيل” تدارك مدى خطورة إقامة صلات مع العدو وبغض النظر عن هويته. ونص في مواده على معاقبة كل من يتعامل مع العدو، وتحت عنوان الصلات غير المشروعة بالعدو. المادة (285) وما يليها. ثم إن القانون شدد العقوبة على من يقوم بدعاية من شأنها إضعاف الشعور القومي وإيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية. المادة (295) وما يليها، وهذه وردت في النبذة الثانية من الفصل الأول الذي تناول فيه الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي المادة (273) وما يليها، والذي اشتملت عليه النبذة الأولى على تعداد أشكال الخيانة كجناية كبرى ومنها ما نصت عليه المادة (279)، وفيه الجرم الجنائي إذا وقع الفعل على دولة تربطها بلبنان معاهدة تحالف أو وثيقة دولية تقوم مقامها.

إن بعضاً من اللبنانيين على مستوى الأفراد أو الكيانات السياسية مع إنهاء حالة الحرب مع “إسـ.ـرائيل” والذهاب أكثر من ذلك بإنهاء حال العداء معها، وهذا موقف يطرحه  هذا البعض تحت مبرر انعدام البدائل والتعامل مع معطى موازين القوى بحالتها الراهنة باعتبارها حالة لا يمكن تعديلها، فيما تبرز معارضة وازنة لهذا الاتجاه انطلاقاً من رؤية أن “إسـ.ـرائيل” هي بنظر لبنان الرسمي والشعبي كيان غير شرعي وغير معترف به، وموازين القوى عرضة للتبدل، وبالتالي لا يجوز التفاوض معها مباشرة وبما يضفي عليها شرعية واقعية.  كما أن العداء لـ”إسـ.ـرائيل”، بما هي تجسيد كياني دولاتي لمشروع الاحتلال الصهـ.ـيوني لفلسـ.ـطين، لا يقرر بشأنه ما تتخذه السلطة الحاكمة من مواقف؛ بل يقرر بشأنه الشعب لأن المسألة تتعلق بمصيره الوطني وطبيعة الصراع مع المشروع الصـ.ـهيوني.

إذاً كان هذا الأمر فرض ويفرض سجالاً سياسياً، لكن ما هو أخطر من الترويج لتبرير التفاوض المباشر وإنهاء حال الحـ.ـرب، هو الاستقواء بهذا العدو وتوظيف تأثيراته في أزمات داخلية سواء في لبنان أو في دول الجوار ومنها سوريا. لا بل أكثر من ذلك، الانخراط في الترويج السياسي والإعلامي للتحالف السياسي الحاكم في “إسـ.ـرائيل” وكأنه بات جزءاً من إدارة الحياة السياسية في الكيان الصهـ.ـيوني.

إن مثل هذه المواقف سواء تلك التي تدعو لاستقواء واستدعاء العدو الصهـ.ـيوني للتدخل في سياقات أزمة داخلية بحجة حماية أقلية من هنا أو فئة من هناك والانخراط بالحملات الدعائية والإعلانية لمصلحة أطراف سياسية في الكيان الصهـ.ـيوني، والتدخل في الشؤون الداخلية لدول تربطها بلبنان علاقات سياسية وتجمعها إطارات عمل مشتركة، كما الإقدام على تحقير رئيس دولة أجنبية، إنما يشكل انتهاكاً خطيراً لأحكام القانون الدولي وجرمه يمس أحكامه، وأن من يقدم على ارتكاب مثل هذه الأعمال، إنما يكون قد ارتكب جرائم  تمس الأمن الوطني وهي تقع تحت أحكام قانون العقوبات اللبناني، وقانون مقاطعة “إسـ.ـرائيل” والقانون الدولي.

وحيث أن ارتكاب الجرائم التي وردت في مواد الفصل الأول بنبذاته الأولى ( الخيانة )، والثانية (التجسس)، والثالثة ( الصلات غير المشروعة بالعدو )، والرابعة (الجرائم الماسة بالقانون الدولي )، والخامسة (في النيل من الشعور القومي)، هي جـ.ـرائم يشكل ارتكابها جـ.ـرماً يهدد الأمن الوطني ببعديه الداخلي والعلاقة مع الخارج، وبالتالي فإن حماية الانتظام العام يوجب إعمال القاعدة القانونية التي نص عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية في مادته الخامسة والتي تنص على تحريك الدعوى العامة بحق مرتكبي الجـ.ـرائم التي نص قانون العقوبات على مقاضاة مرتكبيها في الفصل الأول وذلك لتعلق الأمر بالنظام العام.

وعليه فإن الادعاء العام يجب أن يبادر عفواً لاتخاذ الإجراءات ملاحقة وتوقيفاً ومحاكمة، بحق مرتكبي جـ.ـرائم التعامل مع العدو، وخاصة وأن هولاء المرتكبين يجاهرون بمواقفهم وجـ.ـرائمهم التي  تقع تحت وصف الجـ.ـريمة المشهودة. وإذا لم يبادر الادعاء العام للتحرك عفواً فليعتبر هذا الذي نشير إليه في هذه المقالة بمثابة اخبار إلى النيابة العامة التمييزية ليبنى على الشيء مقتضاه القانوني وحتى لا يتمادى مرتكبو الافعال الجـ.ـرمية على الأمن الوطني في غيهم وحتى لا تصبح الخيانة والعمالة وجهة نظر وحرية رأي يرى أصحابها إنها محمية بنص دستوري المادة (13) منه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.