صلاح الدين المكي
لم يكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 مجرد انقلاب على الوثيقة الدستورية وشراكة الانتقال المدني، بل كان ارتداداً على ثورة ديسمبر ومحاولة لإعادة إنتاج منظومة حكم لفظها الشعب بعد ثلاثين عاماً من الاستبداد والفساد والحروب. ومع اندلاع حرب 15 أبريل 2023، اتسعت دائرة الكارثة، وبات السؤال أكثر إلحاحاً: هل يتجه السودان إلى تكرار تجربة الإنقاذ، أم إلى نسخة أشد تدميراً منها؟
في السياسة الخارجية، تتغير الوجوه وتبقى عقلية السلطة. عزل نظام الإنقاذ السودان عن محيطه، وأدخل البلاد في صراعات وعقوبات دولية بسبب سياساته وتحالفاته. واليوم، يجد السودان نفسه مرة أخرى ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية، بينما تتراجع مصالح شعبه أمام حسابات المتحاربين وحلفائهم. وبدلاً من جعل وقف الحرب واستعادة الحكم المدني أساساً للعلاقات الخارجية، تتحول التحركات الدبلوماسية أحياناً إلى سباق لكسب الاعتراف والدعم، فيما يدفع السودانيون ثمن استمرار الحرب. إن السيادة ليست بيانات تُرفع في وجه الخارج، بل قدرة الدولة على حماية مواطنيها ومنع تحويل أرضها إلى ميدان لتصفية الحسابات.
وفي الإعلام، تتقدم الدعاية على الحقيقة. عرف السودانيون في عهد الإنقاذ إعلاماً يجمّل السلطة، ويحوّل إخفاقاتها إلى انتصارات، ويصنّف المعارضين أعداءً للوطن. واليوم، تتكرر الاتهامات المتبادلة والتعبئة السياسية، وتُختزل المأساة في روايات عسكرية متنافسة، بينما يُدفع المواطن إلى الاصطفاف خلف أحد طرفي الحرب بدلاً من مساءلة الطرفين عن الدم والخراب. لا تنتصر الحقيقة بالصراخ، ولا تصبح الرواية الرسمية حقيقة لمجرد أن السلطة تملك المنابر؛ فالإعلام الذي يخفي الوقائع أو يبرر الانتهاكات شريك في إطالة الأزمة، لا أداة لإنقاذ الوطن.
أما القتل والتشريد، فهما الجرح الذي يكشف فشل السلطة بأوضح صورة.ارتبطت العقود الثلاثة لحكم الإنقاذ بحروب طويلة وانتهاكات جسيمة وقمع للمعارضين، وثّقت منظمات حقوقية جانباً منها. واليوم، تدفع البلاد ثمناً باهظاً لحرب مستمرة بين القوات المسلحة والدعم السريع، ارتُكبت خلالها انتهاكات خطيرة بحق المدنيين، ونزح الملايين عن بيوتهم، وتعرضت المدن والقرى والبنية التحتية للدمار. ولا يجوز استخدام جرائم أي طرف لتبرئة الطرف الآخر؛ فدم السوداني ليس مادة في معركة الدعاية، وحماية المدنيين ليست منّة من قائد عسكري، بل واجب لا تسقطه الشعارات الوطنية.
لقد علّمتنا تجربة الإنقاذ أن السلطة التي تقدّم بقاءها على حياة الناس تستطيع أن تجد لكل كارثة تبريراً، ولكل فشل عدواً، ولكل احتجاج مؤامرة. وحين يصبح الولاء بديلاً للكفاءة، ويصبح السلاح بديلاً للسياسة، يدفع الوطن الثمن من وحدته ومستقبله.
والغلاء اليوم ليس رقماً في نشرة اقتصادية، بل معركة يومية من أجل البقاء.عرف السودانيون في سنوات الإنقاذ الأخيرة تآكل الأجور، وارتفاع الأسعار، وأزمات الوقود والخبز، وانتهى التدهور الاقتصادي إلى احتجاجات شعبية أسهمت في إسقاط النظام. أما الحرب الراهنة فقد ضاعفت الانهيار: فقدان مصادر الدخل، وتعطل الأسواق والخدمات، ونقص الغذاء والدواء، وانهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد. وقد وثّقت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة اتساع الجوع والنزوح وتراجع الخدمات الأساسية.
والمفارقة أن البلاد التي أُنهكت ثلاثين عاماً تحت حكم الإنقاذ لم تُمنح فرصة كافية للتعافي وبناء دولة المؤسسات؛ إذ أعاد الانقلاب قطع الطريق على الانتقال المدني، ثم جاءت الحرب لتفتح أبواب الكارثة على مصراعيها. وما لم تتغير طريقة إدارة الدولة، فإن تغيير الأشخاص وحده لن يوقف دورة الفشل.
إن التشابه بين التجربتين لا يعني أن كل تفاصيلهما متطابقة، لكنه يظهر في نمط سياسي خطير: تقديم بقاء السلطة على التحول الديمقراطي، وتغليب الخطاب التعبوي على المساءلة، وتضييق المجال أمام القوى المدنية، والتعامل مع الأزمات باعتبارها تهديداً للحاكم لا إنذاراً بضرورة تغيير السياسات.
السودان لا يحتاج إلى إنقاذ جديد على يد الذين يعيدون إنتاج أسباب انهياره. يحتاج إلى وقف فوري للحرب، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإغاثة المتضررين، واستعادة المسار المدني على أساس دولة القانون والمواطنة المتساوية.
لقد أسقط السودانيون نظام الإنقاذ لأنهم أرادوا الحرية والسلام والعدالة. ولن يكون الوفاء لتضحياتهم باستبدال سلطة بأخرى، أو بتبرير الحرب باسم الوطن، بل بكسر الحلقة التي جعلت السلطة غاية، والشعب ضحية، والدولة غنيمة.
فالتاريخ لا يعيد نفسه وحده؛ إنما تعيده القوى التي ترفض الاعتراف بأخطائها، وتصر على حكم البلاد بالعقلية نفسها، ولو تغيّرت الشعارات والوجوه.

Leave a Reply