تتحد الصلاة مع الساعد المفتول والعقل النير: فلسفة الإنسان المتكامل في فكر القائد المؤسس ميشيل عفلق (6 – 6)

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

10. الإنسان المتكامل وأخلاقيات العمل (العدالة الاقتصادية – المال أمانة): الإنسان المتكامل لا ينظر إلى المال والاقتصاد بمعزل عن القيم والأخلاق. العمل عنده ليس مجرد وسيلة لجمع المال، بل هو رسالة ومسؤولية. والثروة عنده ليست غاية في ذاتها، بل هي أمانة وأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية. هو لا يعبد المال، بل يستعمله في خدمة المجتمع وبناء الأمة. كيف تتجسد العناصر الثلاثة في أخلاقيات العمل؟:-

– الصلاة تذكّره بأن المال أمانة. ليس هو مالكاً حقيقياً لما في يديه، بل هو مستخلف فيه. قال تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)، (النور: 33). والصلاة تذكره أيضاً بأنه سيسأل يوم القيامة عن ماله: من أين اكتسبه وفيم أنفقه. فالصلاة تخلق في الإنسان رادعاً داخلياً يمنعه من اكتساب المال بطرق غير مشروعة، ويدفعه لإنفاقه في وجوه الخير. الصلاة تحول المال من صنم يُعبد إلى أمانة يُحافظ عليها.

– العقل النير يفكر في توزيع عادل للثروة. العقل النير يرفض منطق (الغني يزداد غنىً والفقير يزداد فقراً)، ويدرك أن التفاوت الطبقي الحاد يهدد تماسك المجتمع والأمة. هو لا يعادي الثروة بحد ذاتها، بل يعادي الاحتكار، والربا، والاستغلال، والفساد. العقل النير يقرأ تجارب الشعوب في تحقيق العدالة الاقتصادية، ويستفيد منها دون أن يقع في فخ الاختزال الماركسي الذي يلغي الفرد، أو الاختزال الليبرالي الذي يلغي المجتمع. العقل النير في الاقتصاد يعني أن نفكر كيف يعيش الفقير قبل أن نفكر كيف يزداد الغني غنىً.

– الساعد المفتول يعمل بيديه ولا يستحي من العمل. الساعد المفتول يرفض ثقافة العيب، التي تجعل الناس تحتقر الأعمال اليدوية، ويدرك أن شرف العمل ليس في نوعه، بل في إتقانه وإخلاص فيه. الساعد المفتول يرفض أن يعيش من كد غيره، ولا يرضى بأن يكون عالة على المجتمع. كما أنه يرفض أن يستغل عمله عمالاً آخرين، أو أن يستنزف الموارد الطبيعية دون تعويض. الساعد المفتول هو اليد التي تحترم كل عمل شريف، وتقدر كل جادٍّ ومجتهد، وترفض أن تنام وفي جيبها مال حرام أو في حسابها ربا.

فمن لا يعمل لا ينتج، ومن لا ينتج لا يأكل، ومن يأكل ولا ينتج يكون عالة على غيره.

من الثلاثية إلى البرنامج: كيف تترجم الصلاة والعقل والساعد إلى سياسة؟

الثلاثية التي طرحها القائد المؤسس ميشيل عفلق ليست فلسفة أخلاقية فقط، بل هي برنامج سياسي. فالصلاة تعني العدالة في السياسة. والعقل النير يعني التخطيط العلمي في الإدارة. والساعد المفتول يعني التنمية والإنتاج في الاقتصاد. فالدولة التي تريد أن تحقق الثلاثية يجب أن:

تحقق العدالة (الصلاة) في القانون والقضاء وتوزيع الثروة.

تبني المعرفة (العقل) في التعليم والبحث العلمي.

تشجع العمل (الساعد) في الإنتاج والصناعة والزراعة.

وهذه ليست مطالب منفصلة، بل منظومة واحدة تترجم الثلاثية إلى مؤسسات وسياسات.

سادساً: كيف نعيش هذه الوحدة في واقعنا المعاصر؟: لعل القارئ يتساءل: هذا كلام نظري جميل، لكن كيف نطبقه في عالم مليء بالصراعات، وفي سودان يعاني من الحرب، وفي أمة عربية ممزقة؟ الجواب ليس في وصفة سحرية، بل في محاولة يومية:

– في الصلاة: أن تستحضر العدل والمساواة في صلاتك، ثم تخرج منها لتعمل على تحقيقهما في الأرض.

– في التفكير: أن تنفتح على كل جديد، لكن أن تحتفظ بقدرتك على النقد والتمييز بين ما هو أداة وما هو قيمة.

– في العمل: أن تظل قوياً صامداً، لا لتقهر غيرك، بل لتحمي حقك وحق أمتك في الوجود والكرامة.

هذا ليس طريقاً مفروشاً بالورود. إنه طريق المشقة التي لا تُرغب، لكنها محتومة على من أراد أن يكون فاعلاً في التاريخ.

خاتمة: البعثي الحي – نموذج الإنسان المتكامل

إن المقولة التي صاغها الأستاذ ميشيل عفلق قبل أكثر من ثمانين عاماً لم تكن مجرد شعار في خطبة، بل كانت برنامجاً وجودياً لمن يريد أن يصنع التاريخ بدل أن يكون مادة فيه. هذه المقولة هي التي تفسر لماذا يمكن للبعثي أن ينتصر في لحظة هزيمته. لأن الإنسان الذي تتوحد فيه القيم والفكر والعمل يستطيع أن يصمد أمام الهزيمة، وأن يحول المحنة إلى معنى، والانكسار إلى درس، والتضحية إلى مصدر جديد للحياة، ولماذا يمكن للفكرة أن تستمر رغم انكساراتها. لأن الإنسان الذي اتحدت فيه الصلاة والعقل والساعد لا يهزم أبداً. هذه المقولة هي التي تجيب عن سؤال: كيف نتحد؟ كيف نتصالح مع أنفسنا؟ كيف ننفتح على الآخر دون خوف؟ الجواب: بأن نعيد بناء الإنسان العربي على هذا النموذج الثلاثي، نموذج الأستاذ ميشيل عفلق: مؤمن يعقل، مفكر يصلّي، مقاتل يؤمن. هذا هو البعثي الحي، فنموذج الإنسان المتكامل يتمثل في إن ساعده مفتول بقوة إيمانه وإرادته الشعبية، وعقله نير منفتح على الحاضر دون ذوبان فيه، يصلّي فيستحضر الحق والعدل والمساواة، ويخالط الجماهير فيحبهم ويحبونه، فيعطونه ويعطونه، ويبدع ويجدد، ويرقص ويغني، ويحتفل بالحياة قبل أن يحتفل بالنصر، ويؤمن أن الناس سواسية، ويمارس هذه المساواة في سلوكه اليومي، ويتصالح مع نفسه، ويتقاطع مع الآخرين، ويعرف خصوصيته دون أن ينغلق عليها، ويعطي للإنسانية من غنى قوميته، ويتلقى من غنى الآخرين دون أن يفقد بوصلته.

هذا هو البعثي الذي نريد. وهذه هي الأمة العربية التي نسعى إليها. أمة تصلّي وتسعى، تؤمن وتحارب، تحب وتبني، وتعطي ولا تنتظر. فهل نكون؟ وهذا هو البعث الذي نريده: بعث الإنسان قبل بعث الدولة، وبعث الروح قبل بعث الجسد، وبعث الإرادة قبل بعث المؤسسات. وإليه نسعى، وعليه نعاهد أنفسنا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.