تتحد الصلاة مع الساعد المفتول والعقل النير: فلسفة الإنسان المتكامل في فكر القائد المؤسس ميشيل عفلق (4)

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

4. العقل النير والإبداع والابتكار: لا يمكن للفكرة أن تعيش إذا ظلت حبيسة الكتب والمحاضرات. الفكرة الحية تحتاج إلى جسد يحملها، وإلى فن يعبر عنها، وإلى فرح يحيط بها. من هنا، فإن الدعوة إلى الابتكار والإضافة النوعية ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية. كيف تتجسد العناصر الثلاثة في الإبداع والابتكار؟

– الصلاة تعلّمه أن الإبداع ليس محرماً، بل هو استكمال لخلق الله وتجويد لما خلقه. الصلاة تفتح العقل على آفاق جديدة، وتحرره من الجمود والتقليد. فدور العبادة في تاريخنا كان جامعة ومختبراً ومنصة للإبداع، لا مكاناً للخمول فقط.

– العقل النير يبحث عن الجديد، ويبتكر الحلول، ويضيف للأمة إنتاجاً فكرياً يليق بتاريخها. العقل النير لا يرضى بالتقليد، ولا يقنع بالاستيراد. هو يقرأ إبداعات الآخرين، لكنه ينتج إبداعاته الخاصة. هو لا يقلد الغرب في أخطائه، بل يتعلم من نجاحاته ويضيف إليها من عبقريته الخاصة.

– الساعد المفتول ينفذ ما يخطط له العقل، ويجسد ما تحلم به الروح. هو الذي يحول الأفكار إلى واقع، والنظريات إلى مبانٍ ومصانع ومشاريع. الساعد المفتول لا ينتظر من ينفذ له، بل هو صانع التنفيذ الأول. فنحن بحاجة إلى:

– فرقة الفنون الشعبية: لأن الغناء والرقص والموسيقى والشعر، ليست تلهية عن النضال، بل هي النضال بأسلوب آخر. إنها تعيد الروح إلى الأمة العربية، وتذكرها بأن الحياة تستحق أن تعاش. فالفن الشعبي هو مرآة ضمير الأمة، وسجل فرحها وحزنها.

– المهرجانات: لأن التجمعات الجماهيرية ليست فقط للسياسة، بل أيضاً للفرح واللقاء وتبادل الثقافات. المهرجانات تخلق ذاكرة جمعية، وتبني علاقات إنسانية، وتزرع المحبة في قلوب الناس.

– المحبة القومية: وهي المحبة التي تسبق التنظيم، وتعلو على المصالح. فالحب هو أقوى رابط بين الناس، وأعمق دافع للتضحية. من يحب يحارب بلا كلل، ويعمل بلا ملل، ويعطي بلا منّ.

إذن فالإنسان المتكامل هو مبدع لا مقلد، ومبتكر لا مستورد. يعرف كيف يأخذ من كل ثقافة ما يناسبه، ويضيف إليها من روحه وعبقريته. فالفكرة عنده حية تتحرك، وفن يعبر، وحب يجمع.

5. الساعد المفتول والمساواة: ومن تجليات الساعد المفتول أن يمد يده للجميع دون تمييز. ليس الناس سواسية في الخطابات فقط، بل يجب أن يكونوا سواسية في الممارسة. هذه هي القاعدة الذهبية: الناس سواسية كأسنان المشط. كيف تتجسد العناصر الثلاثة في المساواة؟:-

– الصلاة تعلّمه أن الناس سواسية أمام الله، وأن أكرمهم عنده أتقاهم. الصلاة في الصف الواحد لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين أمير وفلاح، ولا بين أبيض وأسود. هي درس يومي في المساواة يتكرر خمس مرات في اليوم. قال عليه الصلاة والسلام: لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.

– العقل النير يدرك أن التمييز والتفريق يضعفان الأمة ويشتتان قواها. العقل النير يؤمن بالكفاءة قبل الواسطة، وبالجدارة قبل المحسوبية. هو الذي يبني دولة القانون لا دولة الأشخاص، ومؤسسات الكفاءة لا مؤسسات المحاباة.

– الساعد المفتول يبذل قوته للجميع، ويقبل قوة الجميع في خدمة الأمة. لا يطلب وساطة، ولا يقبل محسوبية، ولا يفرق بين الناس على أساس أصولهم أو ألوانهم. هو الذي يعطي الفقير حقه، والغريب مكانته، والصغير قيمته.

ما معنى الناس سواسية كأسنان المشط؟، أن لا فرق بين عربي وآخر على أساس لونه أو منطقته أو قبيلته. فالأسنان لا تتفاضل، والمشط لا يختار أسناناً على حساب أخرى. أن لا توصية لأحد على أحد، وأن الحكم يكون بالكفاءة لا بالوساطة. اليد التي تنتج تحترم، والعقل الذي يبدع يقدر، والقلب الذي يحب يُكافأ. أن القائد ليس أعلى من الجندي في القيمة الإنسانية، وإن اختلفت المسؤوليات. فالقائد خادم، لا سيد. والجندي شريك، لا تابع.

الساعد المفتول لا يعرف المحسوبية، ولا يقبل بالوساطة. إنه يبذل قوته للجميع، ويقبل قوة الجميع في خدمة الأمة.

هذه المساواة ليست شعاراً ترفعه المنابر، بل هي سلوك يومي يُمارس في الحزب، وفي الدولة، وفي الشارع. العامل، والفلاح، والمثقف، والتاجر، كلهم سواسية أمام القانون، وأمام الحقيقة، وأمام الأمة. فالمساواة ليست فقط أمام القانون، بل أمام الفرص أيضاً. من يعمل أكثر يأخذ أكثر، ومن يبدع أكثر يُكرم أكثر، ومن يضحي أكثر يكون مكانه أكثر.

الإنسان المتكامل لا يعرف التمييز. ساعده يبذل للجميع، وعقله يفكر في الجميع، وقلبه يحب الجميع. هو يؤمن أن الأمة القوية هي التي تحتضن كل أبنائها دون تمييز، وتمنح كل مواطن فرصته ليبرع ويبدع ويخدم وطنه.

6. الإنسان المتكامل في علاقته مع الطبيعة (الخلافة في الأرض): الإنسان المتكامل لا يقتصر توحده على عناصره الداخلية، بل يمتد إلى علاقته مع الكون والطبيعة. إنه لا يرى نفسه سيداً على الطبيعة يستعبدها، بل خليفة فيها يعمرها. الطبيعة ليست شيئاً من حوله، بل هي جزء من وجوده، وهو جزء منها. كيف تتجسد العناصر الثلاثة في علاقة الإنسان بالطبيعة؟

– الصلاة تذكّره بأنه جزء من خلق الله، وأن الأرض التي يمشي عليها، والماء الذي يشربه، والهواء الذي يتنفسه هي أمانة بين يديه وليست ملكاً له. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ)، (الأنعام: 165). فالصلاة تمنع الإنسان من أن يكون مستبداً بالطبيعة، وتجعله خاشعاً أمام عظمة الخلق، ومدركاً لمسؤوليته تجاهها. كل سجدة في الصلاة هي تذكير بأنه كان تراباً وسيعود تراباً.

– العقل النير يدفعه لحماية البيئة وإدراك أن تدمير الطبيعة هو تدمير لمصدر حياته هو ومصدر حياة الأجيال القادمة. العقل النير يقرأ تحذيرات العلم من التلوث والاحتباس الحراري واستنزاف الموارد، ويحول هذه المعرفة إلى سياسات وسلوكيات تحافظ على الأرض. إنه يعرف أن الاستلاب لا يحدث فقط في العلاقة مع الغرب، بل يحدث أيضاً في العلاقة مع الطبيعة حين نعاملها كسلعة نستنزفها ولا نعمرها.

– الساعد المفتول يعمل على عمارة الأرض لا إفسادها. يزرع شجرة قبل أن يبني مصنعاً، ويعيد تأهيل الأرض التي استنزفها، ويترك للأجيال القادمة بيئة نظيفة كما ورثها عن أسلافه. الساعد المفتول لا يمد يده ليأخذ من الطبيعة فقط، بل يمدها أيضاً ليعطيها ويحميها. هو الذي يحفر الآبار في الصحراء، ويشجّر القفار، ويحول الأرض الميتة إلى أرض حية.

وحماية الأرض تبدأ من احترام الطبيعة قبل احترام الحدود. الإنسان المتكامل هو خليفة الله في أرضه، يعمرها بيديه، يحميها بعقله، ويخشع لعظمتها بقلبه. لا مكان في رؤيته للاستغلال الجائر للطبيعة أو للتلوث أو للإفساد في الأرض. هو لا يقول الطبيعة من حولي، بل يقول الطبيعة في داخلي وأنا جزء منها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.