بقلم: ماجد الغوث
لمعرفة الفرق بين الشراكة الوطنية وشراكة الغنيمة، وبين الجيش الواحد والجيشين، وبين القائد والشريك. هذه ليست قصة خلاف عابر، بل قصة تحالف مصلحة انقلب إلى ح.رب إب.ادة. البرهان كان يحتاج حميدتي ليصل للسلطة، وحميدتي كان يحتاج البرهان ليغسل سمعته. شيّلني وأشيّلك بأبشع صورها: أشيلك في الانقلاب وتشيلني في القصر، حتى إذا اختلفنا على الغنيمة أشعلنا البلد.
في 2019 بعد سقوط البشير، البرهان بلا قاعدة شعبية وبلا مال، مجرد ضابط وجد نفسه رئيساً بالصدفة. وحميدتي بلا رتبة عسكرية حقيقية وبلا شرعية، مجرد قائد مليشيا وجد نفسه نائباً للرئيس. البرهان شال حميدتي من تهمة فض الاعتصام وقال: شريك في التغيير، وحميدتي شال البرهان بقواته وماله وحمى ظهره من الشارع الغاضب. تحالف الخوف لا تحالف الوطن.
في 25 أكتوبر 2021، البرهان لا يستطيع أن ينقلب وحده، فالجيش منقسم والشارع ضده. احتاج لقوات الدع.م السريع لتقتحم وتعتقل وتؤمن. وحميدتي لا يستطيع أن يرفض، فالانقلاب يمنحه منصباً دستورياً ويبعد المدنيين الذين يطالبون بدمجه. البرهان شال حميدتي إلى مجلس السيادة، وحميدتي شال البرهان إلى كرسي الحكم المطلق. وقعا معاً على شهادة وفاة الوثيقة الدستورية.
بعد الانقلاب، بدأ الصراع الحقيقي: من يشيل من؟ البرهان يريد دمج الدع.م السريع خلال سنتين ليذوب حميدتي في الجيش وينتهي. وحميدتي يريد الدمج خلال عشر سنوات ليبني إمبراطورية موازية ويبتلع الجيش. البرهان يريد أن يكون القائد الأوحد، وحميدتي يريد أن يكون الرئيس القادم. شيّلني وأشيّلك تحولت إلى: أزيحك وأشيلك من طريقي. فكانت الح.رب.
البرهان يقول: أح.ارب التمرد من أجل الدولة، وهو الذي صنع التمرد بيده وشرعنه بقانون. وحميدتي يقول: أح.ارب الفلول من أجل الديمقراطية، وهو الذي تحالف مع الفلول وقمع الثوار. كلاهما يستهبل. الحقيقة: ح.رب جنرالين على السلطة والذهب والمنافذ. البرهان يشيل المتأسلمين ليح.اربوا معه، وحميدتي يشيل المرتزقة والسياسيين ليح.اربوا معه. والشعب هو الذي يُشال جثاً ونازحين.
الإمارات تشيل حميدتي بالمال والسلاح، ومصر تشيل البرهان بالدعم السياسي والعسكري، والسعودية تشيل هذا مرة وهذا مرة حسب مصلحتها. شيّلني وأشيّلك إقليمية: أشيلك في المحافل وتشيلني في الموانئ والذهب. السودان تحول إلى ساحة وكالة، والجنرالان مجرد وكلاء. من يشيله الخارج لا يمكن أن يشيل همه الوطن.
البرهان يتحدث عن جيش واحد وهو الذي سمح بتمدد الدع.م السريع وتسليحه. وحميدتي يتحدث عن إصلاح الجيش وهو الذي يريد جيشاً على مقاسه. الحقيقة المرة: الاثنان دمرا فكرة الجيش الوطني. الجيش الوطني لا يكون فيه نائبان وقائدان وميزانيتان. ما بني على باطل فهو باطل، وما بني على شيّلني وأشيّلك سينهار على رؤوس أصحابه.
من يظن أن النصر للبرهان سيعيد الدولة واهم، ومن يظن أن النصر لحميدتي سيجلب الديمقراطية واهم أكثر. الاثنان محتالان، والاثنان متهمان بج.رائم ح.رب، والاثنان فشلا في الحكم والقيادة. الحل ليس أن يشيل أحدهما الآخر، بل أن يسقط الاثنان معاً، ويُبنى جيش وطني جديد بعقيدة وطنية، وتُسلم السلطة لمدنيين منتخبين لا لشركاء انقلاب.
الخلاصة ببساطة: البرهان وحميدتي بدآها شيّلني وأشيّلك: أشيلك للسلطة وتشيلني للشرعية. فلما تضخمت الأطماع، انقلب الشيل إلى ق.تل. 15 أبريل ليست معركة بين حق وباطل، بل معركة بين شريكي باطل اختلفا على تقسيم الباطل. من أشعل الح.رب لا يمكن أن يطفئها، ومن دمر الدولة لا يمكن أن يبنيها. ولا مخرج من هذا الشيّل، ومن مسألة ـ أردفني وأردفك ـ إلا برؤية حزب البعث العربي الاشتراكي، بتكوين جبهة شعبية ديمقراطية عريضة تضم في داخلها القوى السياسية الديمقراطية والمدنية والنقابات والاتحادات ولجان المقاومة والمرأة والشباب، لاستكمال مشروع ديسمبر العظيم.

Leave a Reply