أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
ثانياً: لماذا (تتحد) لا (تجتمع؟) – الدقة اللغوية العميقة: لاحظ أن الأستاذ ميشيل عفلق لم يقل تجتمع ولا تتكامل، بل قال تتحد. وهذه دقة لغوية عميقة. فالاتحاد يعني أن العناصر الثلاثة لا تظل منفصلة ثم تتعاون، بل تذوب في بعضها حتى تصبح شيئاً واحداً. الإنسان المتكامل ليس من يصلّي ساعة، ويفكر ساعة، ويعمل ساعة، بل هو من تكون صلاته هي نفسها تفكيره، ويكون تفكيره هو نفسه عمله. هذا هو الفرق بين المناضل والموظف، وبين العقائدي والبراغماتي، وبين من يترك بصمة في التاريخ ومن يمر مرور الكرام.
لأن الإنسان حين ينفصل عن ذاته يفقد حريته الداخلية. فالروح التي لا تجد طريقها إلى العمل تتحول إلى عزلة، والعقل الذي ينفصل عن القيم يتحول إلى أداة هيمنة، والعمل الذي ينفصل عن المعنى يصبح مجرد حركة بلا غاية. ومن هنا لم تكن دعوة الأستاذ ميشيل عفلق إلى اتحاد الصلاة والعقل والساعد مجرد دعوة أخلاقية، بل محاولة لتحرير الإنسان من اغترابه الداخلي وإعادة وحدته الوجودية. فالنهضة تبدأ عندما يتصالح الإنسان مع نفسه قبل أن يسعى إلى تغيير العالم من حوله.
ثالثاً: الإنسان المتكامل والحرية: لماذا لا يولد الإنسان الجديد في ظل الخوف؟: إذا كانت الصلاة تمنح الإنسان بعده الروحي، والعقل النير يمنحه القدرة على الفهم والتمييز، والساعد المفتول يمنحه القدرة على الفعل والتغيير، فإن الحرية هي الفضاء الذي يسمح لهذه العناصر جميعاً بأن تنمو وتتحد. فالإنسان المتكامل لا يمكن أن يُصنع بالإكراه، ولا أن يولد في بيئة الخوف، ولا أن يبدع تحت وطأة القهر. في فكر الأستاذ ميشيل عفلق، لم تكن الحرية مطلباً سياسياً عابراً، ولا مجرد حق دستوري يُمنح للمواطن، بل كانت شرطاً وجودياً وأخلاقياً لنهضة الإنسان والأمة. فالإنسان الذي يخاف لا يستطيع أن يفكر بحرية، والذي يُمنع من التعبير لا يستطيع أن يبدع، والذي تُصادر إرادته يفقد تدريجياً قدرته على المبادرة وتحمل المسؤولية.
ولهذا ارتبطت الحرية في الفكر البعثي الأصيل بفكرة البعث ذاتها؛ لأن البعث ليس مجرد تحرير الأرض من الاحتلال أو الدولة من التبعية، بل هو تحرير الإنسان من كل أشكال الاستلاب الداخلي والخارجي. فالاستعمار لا يبدأ باحتلال الأرض فقط، بل يبدأ حين يفقد الإنسان ثقته بنفسه وقدرته على الاختيار. والاستبداد لا يقتل الأجساد فحسب، بل يقتل الإرادة ويعطل طاقات الإبداع الكامنة في المجتمع. وتتجلى الحرية داخل عناصر المقولة الثلاثة نفسها: –
– الصلاة لا تكون ذات معنى إلا إذا كانت اختياراً حراً نابعاً من قناعة داخلية، لأن الإيمان الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يولد من اقتناع الإنسان ومسؤوليته أمام ضميره وربه.
– العقل النير لا يستطيع أداء وظيفته في بيئة تمنع السؤال أو تعاقب التفكير المختلف، فالعقل لا يزدهر إلا في مناخ يسمح بالنقد والاجتهاد والبحث عن الحقيقة.
– الساعد المفتول لا يتحول إلى قوة بناء إلا إذا كان فعله نابعاً من إرادة حرة، لأن العمل المفروض ينتج الطاعة، أما العمل الحر فينتج الإبداع والإنجاز.
ومن هنا تصبح الحرية شرطاً لتكامل الإنسان قبل أن تكون مطلباً سياسياً للدولة. فالمجتمع الذي يخشى فيه الناس التعبير عن آرائهم لا يستطيع أن ينتج عقلاً نيراً، والمجتمع الذي يُقتل فيه الاجتهاد لا يستطيع أن يبدع، والمجتمع الذي تُصادر فيه المبادرة الفردية يفقد القدرة على النهوض.
ولهذا فإن النهضة الحقيقية لا تقوم على الجمع بين الإيمان والعمل والعلم فقط، بل تقوم أيضاً على تحرير هذه العناصر من الخوف والتبعية والجمود. فالإنسان المتكامل في الرؤية البعثية ليس إنساناً مطيعاً بلا إرادة، بل إنسان حر، مسؤول، مؤمن بقيمه، واثق بعقله، وقادر على الفعل والمبادرة. وعندما تتحرر إرادة الإنسان، تتحرر الأمة معه، لأن الأمم لا تنهض إلا بقدر ما يمتلك أبناؤها من حرية ومسؤولية وإبداع.
رابعاً: الإنسان المتكامل كشرط للنهضة والتحرر التاريخي: في تحليله لأزمة الشخصية العربية، رأى الأستاذ ميشيل عفلق أن المشكلة ليست في غياب الموارد أو قوة العدو، بل في تمزق الشخصية العربية ذاتها: عقل منفصل عن روح، وروح منفصلة عن جسد، وكلام منفصل عن عمل.
ولذلك، فإن أي مشروع نهضوي لا يبدأ من إصلاح الإنسان، هو مشروع ناقص، بل مشروع مشوه. وهذا هو جوهر ما نسميه (البعث كحالة وجودية)، أي أن البعث ليس مجرد برنامج سياسي، بل هو مشروع لبناء إنسان جديد: إنسان يصلّي فيعقل، ويعقل فيعمل، ويعمل وهو مصل. وهذا يفسر لماذا عانى المشروع القومي من انتكاسات: ليس لأن الفكرة كانت خاطئة، بل لأن الأداة (الإنسان) لم تكن متكاملة.
الأستاذ ميشيل عفلق، في تحليله لأزمة الشخصية العربية، يراها شخصية منقسمة مجزأة: يفصل بين العقل والروح، بين الكلام والعمل. والحل الذي يقدمه هو إعادة الوحدة للشخصية العربية من خلال دمج هذه العناصر الثلاثة (الصلاة، العقل، الساعد). وهذا هو عين ما نحتاجه اليوم. الإنسان السوداني، والعربي عموماً، يعاني من هذا الانفصام: نخب تخطط بلا روح، وجماهير تتحرك بلا وعي، وحركات دينية تتعصب بلا عقل، ونظم سياسية تفكر بلا ضمير. فالساعد المفتول والعقل النير والصلاة – هذه ليست ثلاث محطات منفصلة، بل هي ثلاث أبعاد لنفس الإنسان. تطوير أي بُعد على حساب الآخر يخلق إنساناً مشوهاً:
– ساعد مفتول بلا عقل نير: شجاعة عمياء تقود إلى الانتحار.
– عقل نير بلا صلاة: ذكاء بلا روح، كفاءة بلا أخلاق.
– صلاة بلا ساعد مفتول: روحانية هاربة من الواقع، لا تغير فيه شيئاً.
ما الذي يميز هذه الرؤية؟ تزداد أهمية مقولة الأستاذ ميشيل عفلق حين تُقرأ في سياقها الفكري المقارن. فمعظم المشاريع الفكرية الكبرى في العصر الحديث انطلقت من تصور معين للإنسان، وكل مشروع بنى رؤيته السياسية والاجتماعية انطلاقاً من هذا التصور. في الفكر الليبرالي الحديث، يُنظر إلى الإنسان بوصفه فرداً حراً مستقلاً، وتتمحور الفلسفة السياسية حول حماية حقوقه الفردية وحرياته الشخصية. وقد أسهمت هذه الرؤية في ترسيخ قيم الحرية والحقوق المدنية، لكنها كثيراً ما تعاملت مع الإنسان باعتباره فرداً معزولاً عن سياقه التاريخي والقومي والاجتماعي. أما الماركسية، فقد رأت الإنسان أساساً من خلال موقعه في عملية الإنتاج والصراع الطبقي. فالإنسان عندها كائن اقتصادي واجتماعي تحدد علاقاته المادية إلى حد بعيد وعيه ومواقفه. وقد نجحت في إبراز أهمية العدالة الاجتماعية، لكنها كثيراً ما اختزلت الإنسان في بعده الاقتصادي. وفي المقابل، ركزت تيارات الإسلام السياسي الحديثة على البعد الديني والأخلاقي للإنسان، وسعت إلى جعل الدين محور التنظيم السياسي والاجتماعي. غير أن بعض تجليات هذه التجربة وقعت في مأزق تغليب الهوية الدينية على بقية الأبعاد الحضارية والإنسانية. أما عند الأستاذ ميشيل عفلق، فإن الإنسان لا يُختزل في بُعد واحد. فهو ليس فرداً مجرداً كما في الليبرالية، وليس كائناً اقتصادياً فقط كما في الماركسية، وليس كائناً دينياً فحسب كما في بعض الاتجاهات الإسلامية السياسية. إنه كائن مركب تتحد فيه الروح والعقل والعمل. فالصلاة تمثل البعد الروحي والأخلاقي، والعقل النير يمثل البعد المعرفي والحضاري، والساعد المفتول يمثل البعد العملي والإرادي. والنهضة لا تتحقق إلا عندما تتفاعل هذه الأبعاد الثلاثة داخل شخصية واحدة. وهنا تكمن خصوصية الرؤية البعثية، فهي لا تبحث عن الإنسان المتخصص في جانب واحد، بل عن الإنسان المتكامل القادر على الجمع بين الإيمان والمعرفة والعمل. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المقولة بوصفها محاولة لتجاوز الاختزالات التي وقعت فيها كثير من المدارس الفكرية الحديثة، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه وحدة حية لا تقبل التجزئة.
إذا كانت (الصلاة)، و(العقل)، و(الساعد)، هي أبعاد الإنسان المتكامل، فإن الوحدة بينها لا تتحقق تلقائياً. إنها تحتاج إلى انقلاب على النفس — أي إلى قطيعة مع التجزئة التي يعيشها الإنسان. فالإنسان الذي اعتاد أن يصلي دون أن يفكر، أو يفكر دون أن يعمل، أو يعمل دون أن يصلي — هذا الإنسان يحتاج إلى انقلاب وجودي ليعيد توحيد ذاته.
وهذا هو معنى (الانقلاب)، في الفكر البعثي: ليس تغييراً في الحكم، بل تغييراً في النفس. وحين تتحد الصلاة والعقل والساعد في إنسان واحد، فإن هذا الاتحاد هو ثمرة انقلاب داخلي — انقلاب على التجزئة، وانقلاب على التبعية، وانقلاب على العادة.

Leave a Reply