من أزمة الفكر القومي المعاصر إلى أزمة المصير

صحيفة الهدف

محمد ضياء الدين

تستمد القراءة المعاصرة لكتاب “أزمة الفكر العربي المعاصر” للمفكر البعثي د. إلياس فرح وتقارير المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي أهميتها المعرفية من المسافة الزمنية الممتدة بين لحظة صدور الكتاب (1974) وانعقاد المؤتمر القومي في يناير 2026.
أكثر من نصف قرن يمتد بين الحدثين الفكري والتنظيمي شهد تحولات جيو-سياسية واجتماعية عاصفة في الوطن العربي، بدءاً من تراجعات ما بعد حرب أكتوبر 1973، مروراً بالغزو الأمريكي للعراق والعمل على تفكيك بنيته القومية، وصولاً إلى نتائج الحراك الشعبي العربي وتداعياته التفتيتية الشاملة. هذه المسافة الزمنية تحول المقاربة من مجرد قراءة مقارنة إلى تتبع لجدلية الوعي والواقع، وكيف حذرت رؤية د. إلياس مبكراً من إنكسارات الأمة، ومخاطر ثنائية “الجمود السلفي” و”الاستلاب الغربي”، مقدماً قراءة نقدية لواقع عربي تفاقمت فيه الأزمة الفكرية لتصبح أزمات وجودية وتفتيتية شاملة.
إن الأزمة في أدبيات الفكر القومي ليست مجرد تعثر في الأداء السياسي القُطري، بل هي إنقطاع العقل العربي عن ذاته التاريخية. فحين وضع الدكتور إلياس فرح مؤلفه في سبعينيات القرن الماضي، كان يمارس تفكيكاً معرفياً لواقع محاصر بين الجمود والتغرّب. بينما جاء التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القومي الثالث عشر ليمثل إستمراراً عملياً لهذه الرؤية، إذ يوضح كيف أدى التخلي عن الحاضنة الفكرية الشاملة طوال خمسة عقود إلى إنتقال الأزمة من التعبير عن غياب الرؤية إلى تهديد الوجود ذاته.
إنطلق تشخيص د. فرح من خطورة تفكيك المفهوم القومي الجامع لصالح الكيانات القُطرية. وتأتي القراءة النقدية للمؤتمر القومي لتؤكد أن تراجع المشروع النهضوي عبر هذه العقود لم يكن مجرد خسران لمواقع سياسية، بل كان إنكساراً للرابطة العضوية التي تحمي الأمة من التجزئة. فعندما غاب الوعي الناظم، إنحدر الواقع نحو التشظي الطائفي والقبلي والجهوي المحلي، مما جعل كل ساحة الوطن العربي مناطق نفوذ للمشاريع الإقليمية والتدخلات الدولية. وتتجلى في هذا السياق قضايا إستلاب الإرادة القومية والتغلغل التوسعي للنظام الإيراني في العراق والمشرق والخليج واحتلال الأحواز العربية، فضلاً عن الدور الصهيوني الاستيطاني في فلسطين والأراضي العربية المحتلة، بوصفها نتائج حتمية تراكمت عبر العقود الخمسة الماضية لغياب الاستراتيجية الجامعة التي حذر فرح من غيابها.
كما تظهر القيمة الفكرية لطرح فرح في رفضه حصر التغيير في الأطر الفوقية، وتأكيده على ضرورة العمل وسط الجماهير. وعندما قرأ المؤتمر القومي الثالث عشر تحولات المنطقة وموجات الحراك الشعبي، لم ينظر إليها بتبسيطية، بل صاغ موقفاً يزاوج بين الإقرار بالدافع الشعبي ضد القهر، والتأكيد على أن غياب القيادة الواعية والوعي المؤطر أفسح المجال لعسكرة الحراك واختراقه دولياً وإقليمياً. فالتغيير الثوري في المنظور البعثي ليس مجرد رفض غاضب، بل إرادة منظمة تستوعب متطلبات التحرر والتغيير الاجتماعي الشامل، ودونها يظل التغيير عرضة للانتكاسات وتراجع المسارات كما حدث في التطورات الأخيرة بالسودان.

تكمن راهنية طرح فرح في تأكيده على أن الخروج من الأزمة الوطنية والقومية لا يتحقق بالتوفيقية، بل بإعادة بناء حضاري شامل يربط الحرية بالوحدة والتغيير السياسي بالسيادة الوطنية والقومية. وهو المعنى نفسه الذي تتكئ عليه وثائق المؤتمر القومي وهي تقدم قراءة نقدية شجاعة لتجارب المرحلة السابقة، داعية إلى مراجعة تراجعات العقود الماضية لإعادة بناء الدولة الوطنية المناهضة للارتهان، وإصلاح المنظومات التعليمية والثقافية، وإعادة الاعتبار للوعي التاريخي. وتأسيساً على هذه القراءة المفهومية، فإن الحرية والديمقراطية ليستا صيغاً شكلية مُستوردة، بل هما أداتان نضاليتان لانتزاع سيادة الأمة وتحرير طاقات الجماهير.
فبين الأزمة كتحذير نظري أطلقه إلياس فرح في القرن الماضي، والمصير كواقع تشخصه مقررات المؤتمر القومي، تتحدد مهمة الفكر البعثي نحو تحويل الوعي إلى قوة مادية تغيّر واقع الصراع، وإعادة صياغة أدوات المواجهة القومية لتستجيب لضرورات المرحلة، بما يضمن صون وجود الأمة واستعادة دورها الحضاري التاريخي.
إن حزباً ينبعث من الإرادة الشعبية ويستند إلى إرث نضالي كُتب بدماء قادته وشهداء الأمة، يظل معنياً بالوقوف في الموقع الطليعي لإعادة الثقة للأمة بقدرتها على الصمود والانبعاث، واستعادة دورها الحضاري والإنساني.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.