الديمقراطية والتحول الديمقراطي في السودان

صحيفة الهدف

قلم: ماجد الغوث

تعد تجربة السودان مع الديمقراطية والتحول الديمقراطي واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في أفريقيا والعالم العربي، إذ عاش السودان ثلاث فترات ديمقراطية تعددية هي 1956-1958 و1964-1969 و1986-1989، انتهت جميعها بانقلابات عسكرية، كما شهد ثلاث ثورات شعبية كبرى في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وديسمبر 2018 أسقطت أنظمة عسكرية، لكنها فشلت جميعها في تأسيس تحول ديمقراطي مستدام. إن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في تفسير سقوط الديمقراطية في كل مرة، بقدر ما تكمن في فهم الأسباب البنيوية التي حالت دون تحولها من مجرد فترة انتقالية هشة إلى نظام سياسي مستقر وراسخ.

تشير الدراسة إلى أن الديمقراطية في السودان جاءت في كل مرة كهدنة سياسية للتنفيس عن الاحتقان الشعبي عقب الثورات، وليس كمشروع وطني متفق عليه بين القوى السياسية. فقد تعاملت الأحزاب مع الفترات الديمقراطية باعتبارها غنيمة للتقاسم والمحاصصة، لا فرصة للتأسيس الدستوري والمؤسسي. ففي الفترة الديمقراطية الثانية انشغلت النخب السياسية بالصراع الأيديولوجي حول حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، بينما أهملت المهمة الأساسية وهي كتابة دستور دائم للبلاد. وفي الفترة الديمقراطية الثالثة انشغلت الحكومات الائتلافية المتعاقبة بصراعات المحاصصة الحزبية، وعجزت عن معالجة الملفين الأكثر إلحاحا وهما الح.رب الأهلية في الجنوب والانهيار الاقتصادي المتسارع. وقد أدى هذا العجز عن تقديم الحد الأدنى من الأمن والخبز للمواطن إلى فقدان الديمقراطية لشرعيتها الاجتماعية، ومهّد الأرضية النفسية والسياسية لقبول انقلاب عسكري جديد باعتباره المنقذ.

ويرتبط بذلك عامل بنيوي آخر يتمثل في غياب الدستور الدائم منذ استقلال السودان عام 1956. فقد حكمت جميع الفترات الديمقراطية بدساتير مؤقتة أو انتقالية، مما جعل قواعد اللعبة السياسية نفسها محل صراع دائم. إن القضايا المصيرية المتعلقة بهوية الدولة وعلاقة الدين بالسياسة ونظام الحكم واقتسام السلطة والثروة لم تحسم عبر توافق دستوري جامع، بل تركت للتجاذب اليومي داخل برلمان منقسم أيديولوجيا. وتحول البرلمان في ظل هذا الوضع من ورشة للتشريع وبناء المؤسسات إلى ساحة للمعارك الكلامية والاستقطاب الحاد، مما أضعف ثقة المواطن في جدوى العمل الديمقراطي.

وتخلص الدراسة إلى أن العائق الأخطر أمام التحول الديمقراطي تمثل في طبيعة المؤسسة العسكرية السودانية التي لم تلتزم الحياد المهني، بل ظلت فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا له مصالحه الخاصة. فكل انقلاب عسكري في تاريخ السودان وجد حاضنة مدنية داعمة له، إذ تواطأ رئيس الوزراء عبد الله خليل مع انقلاب 1958، ونفذ تنظيم يساري انقلاب 1969، ودبرت الحركة الإسلامية انقلاب 1989. بل إن قوى مدنية محسوبة على الثورة قبلت بعد 2018 بالشراكة مع المجلس العسكري عبر الوثيقة الدستورية لعام 2019، مما أعاد إنتاج المعادلة التاريخية نفسها وهي استقواء المدنيين بالعسكر لحسم صراعاتهم مع مدنيين آخرين. وفي ظل وضع يكون فيه السلاح خارج البرلمان أقوى من الأصوات داخله، تصبح الديمقراطية مجرد واجهة هشة قابلة للكسر في أي لحظة.

وعلى مستوى البنية الحزبية، تعاني الأحزاب السودانية الكبرى من اختلالات عميقة تعيق أي تحول ديمقراطي. فحزبا الأمة والاتحادي الديمقراطي قاما على بنى طائفية ودينية تقليدية، تدار بقيادات وراثية وقرارات فردية وتغيب عنها الديمقراطية الداخلية، ومن غير المتصور أن يبني الديمقراطية في الدولة من لا يمارسها داخل حزبه. أما الأحزاب الأيديولوجية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، فقد تعاملت مع الديمقراطية كتكتيك مرحلي للوصول إلى السلطة وليس كقيمة نهائية، وأبدت جميعها في لحظات مختلفة استعدادًا للتحالف مع المؤسسة العسكرية لإقصاء الخصوم. هذا السلوك الانتهازي أفقد العملية الديمقراطية مضمونها التوافقي وحولها إلى لعبة صفرية.

يضاف إلى ذلك العامل الاقتصادي الاجتماعي المتمثل في غياب طبقة وسطى مستقلة قادرة على حماية التحول الديمقراطي والدفاع عنه. فقد أدت سياسات التأميم والمصادرة في عهد جعفر نميري، ثم سياسات التمكين الاقتصادي في عهد الإنقاذ، إلى تدمير أي استقلال اقتصادي للطبقة الوسطى والمجتمع المدني. وأصبحت الدولة هي رب العمل الأكبر والموزع الأوحد للوظائف والرخص والقروض والامتيازات التجارية، فتحول الصراع على السلطة من صراع على البرامج والسياسات إلى صراع على البقاء الاقتصادي. وفي ظل تفشي الفقر، تحول صوت الناخب إلى سلعة قابلة للشراء، وفقدت الانتخابات وظيفتها كآلية للتعبير الحر عن الإرادة الشعبية.

تستنتج الدراسة أن فشل التحول الديمقراطي في السودان لم يكن قدرًا محتومًا، بل كان نتيجة منطقية لاختلالات بنيوية متراكمة تتمثل في أحزاب بلا ديمقراطية داخلية، وجيش بلا حياد مهني وبلا خروج من الاقتصاد، ودستور بلا توافق وطني، واقتصاد ريعي بلا قاعدة إنتاجية مستقلة. لقد أثبتت الثورات السودانية قدرة فائقة على إسقاط الأنظمة الاستبدادية بفضل شجاعة الشارع وتضحياته، لكنها أخفقت في بناء البديل الديمقراطي لأن البناء يحتاج إلى صبر المؤسسات وتواضع النخب السياسية وقبولها بقواعد اللعبة. وما لم يتم حسم الملفات الأربعة الكبرى وهي كتابة دستور دائم توافقي، وإصلاح الأحزاب ديمقراطيًا، وإخراج المؤسسة العسكرية نهائيًا من السياسة والاقتصاد، وبناء اقتصاد منتج يحرر المواطن من التبعية للدولة، سيظل السودان يدور في الحلقة المفرغة نفسها: ثورة شعبية تليها فترة ديمقراطية هشة، ثم انقلاب عسكري جديد يعيد إنتاج الأزمة.ً

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.