حين يصمت العقل ويعلو الصخب

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي

سؤال جاد، وأرجو أن أجد له إجابة: لماذا خفتت أصوات الأقلام الجادة والرصينة، وكأنها آثرت الصمت أو انسحبت إلى الظل، بينما ظلت المنابر مفتوحة على مصراعيها لمنشورات منقولة ومقالات لا تضيف إلى الوعي قدر ما تستهلك منه؟

كيف يغيب الذين كانوا يصوغون المعنى بعناية ومسؤولية، ويتراجع حضور الرأي المتأني أمام محتوى سريع وعابر؟ أهو تبدل في الذائقة؟ أم تعب أصاب الكتّاب أنفسهم؟ أم أن طبيعة المنابر نفسها قد تغيرت؟

ربما لم تختف الأقلام الجادة بقدر ما تغيرت البيئة التي كانت تمنحها مساحة للحضور؛ فمنصات التواصل لا تكافئ بالضرورة الأكثر معرفة أو عمقًا، بل كثيرًا ما تمنح الأفضلية للأكثر قدرة على جذب الانتباه.

النص المتأني يحتاج إلى قارئ يمنحه وقتاً، بينما يكفي المحتوى السريع عنوان مثير، أو رأي حاد، أو فكرة مختزلة قابلة للتداول. وهكذا لا ينتشر الأفضل دائمًا، بل قد يتقدمه الأسرع والأخف والأكثر قابلية للمشاركة.

وفي المقابل، أصاب بعض أصحاب الأقلام الجادة شيء من الإرهاق. فالكتابة المسؤولة مكلفة، تحتاج إلى قراءة وتفكير ومراجعة، ثم يجد صاحبها أن نصًا استغرق منه أيامًا قد يمر دون أن يحظى بما يستحق من نقاش، بينما تجد المادة المنقولة أو الرأي السريع طريقهما إلى الانتشار بسهولة. ومع الزمن قد لا ينسحب الكاتب لأنه فقد ما يقول، بل لأنه لم يعد يرى في هذه المساحة ما يغريه بالبقاء.

لكن الأخطر من غياب الكاتب هو غياب القارئ. حين نعتاد المحتوى السريع، تصبح الفكرة المركبة ثقيلة، والتحليل الطويل مملًا، والاختلاف المدروس أقل جاذبية من الخصومة. وحينها لا يتراجع الكاتب الجاد وحده، بل يتراجع معه القارئ الجاد، وتتغير الذائقة شيئًا فشيئًا، حتى يصبح العمق استثناءً، والسطحية هي القاعدة.

وهنا تكتمل الدائرة: كاتب يتراجع لأنه لا يجد قارئًا، وقارئ يفقد صبره على النص الجاد لأنه لم يعد يراه كثيرًا. وبين هذا وذاك، تخسر الساحة شيئًا من قدرتها على إنتاج المعنى، لا مجرد تداول الكلام.

ومع ذلك، فإن انسحاب أصحاب الأقلام الرصينة ليس حلًا. فالمنابر لا تحتمل الفراغ طويلًا، وكل مساحة يخليها أصحاب المعرفة والرأي ستجد من يشغلها، وكل صوت يختار الصمت يترك مساحة أكبر لصوت آخر.

لذلك ربما لا يكون السؤال فقط: لماذا خفتت أصوات الأقلام الجادة؟ بل أيضًا: لماذا اختارت أن تخفت؟ فالمنابر لم تُغلق في وجوهها، وربما لم يُخرجها منها أحد، لكنها حين آثرت الظل، تركت مساحات واسعة لمن لم يترددوا في احتلال الضوء.

المشكلة ليست دائمًا أن الصخب صار أعلى من صوت العقل، بل إن صمت العقل أحيانًا هو الذي يترك للصخب كل هذا المنبر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.