خطاب نيويورك.. هل يملك صمود شفرة القرار الأممي أم يعيد تدوير المناشدات؟

صحيفة الهدف

بقلم: ماجد الغوث

يمثل خطاب 22 سبتمبر 2026 الذي دفعت به قيادة تحالف صمود برئاسة د. عبد الله حمدوك إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومجلس الأمن الدولي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك، محطة لافتة في مسار التعاطي مع الأزمة السودانية. الوثيقة في جوهرها تجاوزت نمط الخطابات البروتوكولية، مقدِمةً نفسها كـ  وثيقة مطالب تنفيذية تعكس تحولاً تكتيكياً في خطاب التحالف.

1. هندسة الخطاب: أولوية الإنساني على السياسي

تكمن براعة الاستهلال في تجنب الغرق المباشر في الخلافات الحزبية والسياسية، واختيار البدء من الكارثة الإنسانية بلغة الأرقام والمآسي: شردت الح.رب أكثر من 14 مليون مواطن، ودفعت بأكثر من 20 مليوناً إلى حافة المجاعة الحادة.

عزز التحالف مرافعته باقتباس إفادات مسؤولي الإغاثة الدوليين، وفي مقدمتهم غوتيريش، وكارل سكاو، وتوم فليتشر، محاصراً المجتمع الدولي باعترافاته الموثقة، لتحويل التوصيف والتعاطف اللفظي إلى استحقاق تنفيذي ملزم عبر ثلاثة مسارات متزامنة:

المسار الإنساني: إقرار هدنة غير مشروطة، تأمين مسارات الإغاثة، وحماية المدنيين.

المسار الأمني: التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات أمنية صارمة تفكك عسكرة الحياة العامة.

المسار السياسي: إطلاق عملية سياسية شاملة ومملوكة للسودانيين بقيادة مدنية خالصة.

2. الرسائل السياسية المفصلية

تضمنت المذكرة أربع رسائل رئيسية أعادت ضبط بوصلة التحالف في المشهد الدبلوماسي:

أ- المطالبة بهدنة ملزمة ذات أنياب: طالب الخطاب بهدنة فورية مصحوبة بآلية مراقبة مستقلة وتدابير عقابية موجهة لمن يعرقلها، وهي مطالبة تلامس ضمناً منطوق القرارات الصادرة تحت الفصل السابع دون تسميته صراحة، في انتقال من خانة الرجاء الأخلاقي إلى خانة الالتزام الدولي.

ب- التجريد الشامل للشرعية: أكدت الوثيقة خلو المشهد من أي سلطة ذات مشروعية دستورية، مع التشديد على أن التعامل الإنساني مع سلطات الأمر الواقع لا يرتب أي اعتراف سياسي بها. يحمل هذا الطرح ضربة مزدوجة تنزع الشرعية السياسية عن سلطة بورتسودان ومحاولات الإدارة الموازية من قبل الدعم السريع، حاصراً المشروعية في عملية سياسية تأسيسية قادمة.

ج- تدويل حظر السلاح وتجفيف خطوط الإمداد: المطالبة بتوسيع نطاق حظر السلاح المفروض على دارفور منذ 2004 ليشمل كافة التراب السوداني، ما يمثل حصاراً عسكرياً على طرفي النزاع، ورسالة واضحة للأطراف الإقليمية المنخرطة في تغذية الصراع عبر الإسناد العسكري واللوجستي.

د- تحديد الخطوط الحمراء للعملية الشاملة: النص صراحة على شمول العملية السياسية لكافة الأطراف عدا المؤتمر الوطني وواجهاته، وهي استجابة لثوابت قوى التغيير، غير أنها تضع التحالف في مواجهة تحدي التمييز الإجرائي بين الخصوم والواجهات المتداخلة سياسياً ومجتمعياً.

3. قراءة نقدية: بين الطموح الدبلوماسي واختبار الأرض

مكامن القوة:

وحدة الرؤية والمشروع: تجاوز الخطاب تشتت المبادرات الفردية ليظهر صمود ككتلة تمتلك مشروعاً متكاملاً قابلاً للتداول الدبلوماسي.

الربط بين التمويل والقرار: إبراز الفجوات التمويلية لمنظمات الغوث وغرف الطوارئ المحلية منح الوثيقة وزناً ومقبولية عالية داخل أروقة الوكالات الأممية.

الحراك المباشر: استثمار أسبوع الجمعية العامة للقاء القيادات الأممية للدفع باتجاه توحيد منصات الوساطة وتفادي تضارب المسارات الإقليمية والدولية.

مواطن الضعف والتناقض:

فجوة الأرض ونيويورك: تظل الوثائق الدبلوماسية فاقدة لأثرها الحاسم ما لم تسندها أدوات ضغط فاعلة داخل الشارع والميدان، في ظل تغليب الفاعلين الدوليين لمعادلات موازين القوى على الأرض.

فخ أنسنة الصراع: التركيز الطاغي على بند المساعدات والأرقام الإغاثية يحمل مخاطرة اختزال أزمة السودان في مسألة مجاعة وكارثة إنسانية، بينما أصل المعضلة سياسي وعسكري بامتياز.

مفارقة نزع الشرعية: تقع الوثيقة في إشكال عملي بمطالبتها تجريد سلطات الأمر الواقع من كل شرعية، وفي ذات الوقت مناشدة المجلس لإلزام هذه السلطات تحديداً بفتح الممرات وضمان خطوط الإمداد.

ينقل الخطاب تحالف صمود خطوة إلى الأمام: من مجرد الاحتجاج الأخلاقي على اتساع رقعة الح.رب، إلى تقديم مسودة مشروع حل دولي مدعوم بآليات تنفيذية.

غير أن العبرة النهائية تتوقف على الاستحقاقات القادمة داخل مجلس الأمن فالمجتمع الدولي لا يصنع التغيير نيابة عن أحد، وأروقة نيويورك لا تمنح شفرة الحل لمن لا يملك موازين القوة والتأثير في الميدان. إن الرهان الحقيقي لتجاوز فخ  إعادة تدوير المناشدات والانتقال بالوثيقة من رفوف الأرشيف الأممي إلى واقع التنفيذ يكمن في خطوة سياسية جذرية واحدة: بناء وتأسيس جبهة شعبية ديمقراطية عريضة.

إن الاصطفاف المدني الحقيقي لا يُبنى بالنخب الدبلوماسية وحدها، بل بكتلة شعبية واسعة تلتحم فيها لجان المقاومة، وغرف الطوارئ، والنقابات، والقوى الحية المناهضة للح.رب، لتشكل مركز ثقل سياسي وشعبي نافذ يُسقط شرعية بنادق الأمر الواقع، ويفرض شروطه على أطراف الصراع ورعاتهم الإقليميين. وبدون هذه الجبهة الشعبية العريضة بوصفها حاملاً سياسياً ومحركاً ميدانياً للحل، سيظل التعاطي الدولي محكوماً بمنطق إدارة الكارثة لا معالجة جذورها، وستبقى القرارات الأممية حبراً على ورق في انتظار قوة شعبية تفرض إرادتها في الداخل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.