أسعار السلع الأساسية في الخرطوم وأم درمان.. اقتصاد يتفتت من سوق إلى آخر

صحيفة الهدف

جولة: الهدف
في ظل استمرار الحرب وتفكك سلاسل الإمداد، لم تعد أسعار السلع في السودان تعكس سوقًا وطنية واحدة، بل أصبحت كل مدينة، وأحيانًا كل حي، أشبه بجزيرة اقتصادية لها منطقها السعري الخاص. ويكشف رصد أسعار السلع الأساسية في الخرطوم وأم درمان عن صورة قاتمة؛ فالأسعار لا ترتفع فحسب، وإنما تتفاوت وتتفتت بصورة لافتة، إذ يُباع الدقيق الواحد بخمسة أسعار مختلفة، والذرة بأربعة أسعار، فيما يصل الفارق بين بعض الأسواق والسلع إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.

في سوق الخرطوم، يُظهر الدقيق، بوصفه إحدى أكثر السلع ارتباطًا بالغذاء اليومي للأسر، حجم التفاوت السعري داخل السوق نفسه. ويُباع جوال دقيق سيقا، زنة 25 كيلوغرامًا، بنحو 118 ألف جنيه، بينما يصل دقيق الذهبية إلى 115 ألفًا، ويتراوح دقيق الخرطوم بين 110 و120 ألف جنيه. ويبلغ سعر دقيق الفاو نحو 100 ألف جنيه، في حين يسجل دقيق الجزيرة أدنى الأسعار عند 95 ألف جنيه.

ويصل الفارق بين أعلى وأدنى سعر لجوال الدقيق إلى 25 ألف جنيه، وهو تفاوت كبير بالنسبة لسلعة أساسية. ويعكس هذا الفارق تعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك، إلى جانب تفاوت تكاليف النقل وعدم استقرار الطرق وغياب تسعير مرجعي مستقر، بما يجعل السعر الذي يدفعه المستهلك مرتبطًا بمصدر السلعة ومسار وصولها إلى السوق أكثر من ارتباطه بسعر موحد على المستوى الوطني.
وفي سوق أم درمان، تبدو صورة المحاصيل والبقوليات أكثر تعقيدًا. وتتراوح أسعار الذرة بين 320 ألف جنيه للجوال، بالنسبة إلى ود أحمد وفتريتة، و330 ألف جنيه لطابت والهجين. أما القمح فيبلغ نحو 380 ألف جنيه للجوال، بفارق يقارب 60 ألف جنيه عن الذرة. ويعكس هذا الفارق جانبًا من الفجوة بين سلعة يعتمد إنتاجها بدرجة أكبر على الموارد المحلية، وأخرى ترتبط بصورة أكبر بالاستيراد وتوفير النقد الأجنبي وتكاليف النقل.

ويبلغ سعر الكبكبي نحو 330 ألف جنيه، بينما تصل الفاصوليا إلى مليون و50 ألف جنيه للجوال، لتصبح من السلع الأعلى كلفة ضمن السلع المرصودة. كما يبلغ سعر العدسية نحو 500 ألف جنيه، في حين يسجل الفول المضرا 130 ألف جنيه، والفول اللقيط 160 ألف جنيه، بفارق 30 ألف جنيه بين النوعين، وهو تفاوت يرتبط بالجودة ومصدر السلعة وتكاليف النقل والتداول.
وفي الكلاكلة اللفة، حيث تنتشر منافذ ما يعرف بـ«البيع المخفض»، تبدو بعض الأسعار أقل نسبيًا من الأسواق الرئيسية، لكنها تظل مرتفعة مقارنة بقدرة كثير من الأسر على الشراء. ويسجل كيلو العدس نحو 10 آلاف جنيه، وهو السعر نفسه لكيلو الأرز. كما يبلغ سعر كيلو اللبن البودرة 33 ألف جنيه، بينما يصل سعر عبوة لبن مياسم زنة 2.25 كيلوغرام إلى 38,500 جنيه.

ويبلغ سعر لتر زيت نعمة نحو 16,500 جنيه، فيما يسجل رطل شاي الغزالتين 20,500 جنيه، مقابل 16 ألف جنيه لشاي البيت. وتصل كرتونة الصلصة المجاني إلى 180 ألف جنيه، بينما يتراوح سعر جردل جبنة الدويم بين 180 و240 ألف جنيه، بفارق يصل إلى 60 ألف جنيه للمنتج نفسه بحسب مصدر البيع والسوق.
أما اللبن المستورد في الخرطوم، فيتراوح سعر الجوال بين مليون و150 ألف جنيه ومليون و500 ألف جنيه، بفارق يبلغ 350 ألف جنيه بين أدنى وأعلى سعر. ويرتبط هذا التفاوت بتعدد المصادر وتباين الجودة وتكاليف النقل والتخزين. ومع ارتفاع كلفة اللبن المستورد، تتجه بعض الأسر إلى اللبن المحلي، خصوصًا منتجات الأبقار والضأن، إلا أن محدودية توفره وقابليته السريعة للتلف في ظل اضطراب الكهرباء والتخزين يمثلان تحديًا إضافيًا.

وتكشف هذه الأرقام عن سمة أساسية في الاقتصاد السوداني خلال الحرب، تتمثل في غياب السعر الموحد للسلع الأساسية واتساع الفوارق بين الأسواق. فالدقيق يظهر بخمسة أسعار، والذرة بأربعة، واللبن بفارق يصل إلى 350 ألف جنيه، بينما يصل الفارق في جبنة الدويم إلى 60 ألف جنيه. ولا يرتبط هذا التفاوت بعامل واحد، وإنما تتداخل فيه تكاليف النقل، وتعدد الوسطاء، ومصادر السلع، وصعوبة الحركة بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، إلى جانب اضطراب قنوات الاستيراد والنقد الأجنبي.
ولا تقف آثار هذا التفاوت عند حدود السوق، وإنما تمتد إلى قدرة الأسر على تأمين غذائها. فسعر الفاصوليا البالغ مليونًا و50 ألف جنيه للجوال يضعها خارج قدرة قطاعات واسعة من المستهلكين، بينما يرفع ارتفاع أسعار القمح كلفة الغذاء المعتمد عليه، في وقت تتآكل فيه الدخول بفعل التضخم وتراجع قيمة العملة. كما يؤدي ارتفاع أسعار اللبن المستورد إلى تقليص قدرة بعض الأسر على الحصول على أحد مصادر الغذاء الأساسية، أو يدفعها إلى البحث عن بدائل أقل كلفة.

ويبرز القمح واللبن بوصفهما مثالين على ارتباط الأمن الغذائي بالنقد الأجنبي. فكلما زادت الحاجة إلى الاستيراد، أصبح توفير العملات الأجنبية عنصرًا حاسمًا في تحديد الأسعار النهائية للسلع، ومع تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، تنتقل هذه الضغوط سريعًا إلى المستهلك.

وتشير حركة الأسعار، في حال استمرار الحرب وتواصل تدهور قيمة العملة وارتفاع تكاليف النقل والإمداد، إلى ضغوط إضافية على أسعار السلع الأساسية خلال الفترة المقبلة. ويعني استمرار هذا المسار اتساع الفجوة بين دخول الأسر وتكلفة الغذاء، مع انتقال شرائح من الطبقة الوسطى إلى مستويات دخل أدنى، وزيادة صعوبة حصول الأسر الأكثر فقرًا على احتياجاتها الأساسية.

وبذلك، لا تمثل أسعار الدقيق والذرة والقمح والبقوليات واللبن مجرد بيانات يومية عن حركة الأسواق، بل تعكس حجم التشوه الذي أصاب الاقتصاد السوداني خلال الحرب. فاختلاف سعر السلعة الواحدة من سوق إلى آخر، واتساع الفوارق بين مناطق البيع، وتداخل تكاليف النقل والاستيراد والنقد الأجنبي، كلها مؤشرات على سوق فقدت كثيرًا من آلياتها الطبيعية، وأصبح المواطن فيها يتحمل ليس فقط تكلفة السلعة، وإنما أيضًا تكلفة الحرب واضطراب سلاسل الإمداد وتفتت السوق.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.