قلم: ماجد الغوث
التاريخ لا يهزم الشعوب بضربة واحدة يهزمها عندما ترفض أن تتعلم من دروسه، وعندما تكرر نفس الدائرة المفرغة وتسميها قدراً .
واللحظة السياسية لا تُهزم بالرصاص فقط تُهزم عندما تمر ولا تجد عقلاً قد اختمر لالتقاطها وتحويلها إلى مشروع.
هذا ما حدث في السودان.
قبل 15 أبريل تراكم الهزائم المؤجلة
▪️ سياسياً عشنا عقدين من المحاصصات التي تلبس ثوب الثورة. أحزاب تتحدث باسم الشعب وتفاوض باسمه في الغرف المغلقة انتقال بلا مشروع دولة، وحكومة بلا موازنة، وشعارات بلا مؤسسات. كنا مشغولين بمن يحكم، ولم نسأل بأي فلسفة سنحكم؟
▪️ اقتصادياً، اقتصاد هجين، لا هو سوق حر ولا هو دولة رعاية؛ اقتصاد طوابير وسمسرة وعملات موازية. الموارد تُنهب باسم التمكين ثم تُنهب باسم التحرير، الفقر لم يعد حالة بل صار هيكلاً، والبطالة لم تعد أزمة شباب بل أصبحت سياسة عامة.
▪️ اجتماعياً تمزق النسيج، وتحولت الهوية من سؤال من نحن؟ إلى سلاح من أنت؟. القبلية صعدت من الديوان إلى السياسة، والجهوية صارت برنامجاً انتخابياً. تفككت الأسرة تحت ضغط الغلاء والنزوح، واستُبدلت القيم العامة بقيم البقاء.
▪️ ثقافياً: انفصلت النخبة عن الناس؛ المثقف يكتب للتاريخ، والفنان يغني للذكريات، والإعلامي يصرخ في الفراغ. لم ننتج ثقافة مواطنة، بل أنتجنا ثقافة ضحية وجلاد فقط.
▪️كنا نعتقد أن إسقاط النظام يعني بداية التاريخ، لكننا لم نؤسس لما بعد السقوط.
15 أبريل: اللحظة التي لم تختمر
▪️جاءت الح.٠
رب، ولم تأتِ من فراغ كانت نتيجة منطقية لسنوات من بناء قوة موازية للدولة، ومن حديث عن دمج بلا خطة، وصراع على السلطة غُلّف بخلاف مهني.
في تلك اللحظة، كان من المفترض أن يحدث أمران:
▪️ الأول: اصطفاف وطني لوقف الانهيار.
▪️ الثاني: طرح سؤال جذري: أي دولة نريد أن ننقذ؟
لكن ذلك لم يحدث:
▪️ السياسيون: انقسموا جزء بارك الح.رب، وجزء سوّق الحياد، وجزء هرب.
▪️ الاقتصاد: توقف تماماً؛ أغلقت البنوك، ونُهبت المصانع، واحترقت المزارع، وتحولت المعاناة إلى تجارة.
▪️ المجتمع: انقسم إلى ثلاثة نازح، ولاجئ، ومحاصر. تحول التضامن إلى شلليات إغاثة، وصارت الكراه.ية لغة يومية.
▪️ الثقافة: غابت واحتجبت؛ أغلقت المسارح، وأُحرقت دور النشر، وصار الصوت الأعلى هو صوت الرصاصة.
▪️مرت اللحظة السياسية؛ لحظة كان يمكن فيها إعادة تعريف الدولة والمواطنة والجيش والمدني، لكنها لم تختمر في العقول. كانت أكبر من وعينا وأصغر من طموحات قياداتنا.
▪️بعد 15 أبريل: إعادة إنتاج الهزيمة
هزيمة التاريخ هي أن نخرج من الح.رب بنفس عقلية ما قبل الح.رب: نفس خطاب الكراه.ية، نفس البحث عن شماعة، نفس توزيع الاتهامات، ونفس السباق نحو السلطة.
▪️سياسياً: صرنا دولتين في الخطاب، ودويلات في الواقع كل طرف يدعي الشرعية ويوزع صكوك الوطنية.
▪️ اقتصادياً: ساد اقتصاد الح.رب؛ السوق الأسود هو البنك المركزي، والتهريب هو التجارة الخارجية، والجوع هو أداة الضغط.
▪️ اجتماعياً: جيل كامل خارج مقاعد الدراسة؛ جيل تعلم أن الحل في فوهة البندقية، وهذا هو الانقسام الحقيقي الذي سيحكمنا لعقود قادمة.
▪️ ثقافياً: صار الصمت هو الموقف الآمن، وغدا السؤال ممنوعاً، ومن يتحدث عن المستقبل يُتهم بالخيانة.
أخطر ما في الأمر أننا بدأنا التطبيع مع الهزيمة: نسمي النزوح هجرة، والجوع تقشفاً، وانهيار الدولة مرحلة انتقالية.
▪️هل يمكن تجاوز الهزيمتين؟
هزيمة التاريخ تُهزم بالاعتراف بأن نقول بوضوح: لقد فشلنا في بناء دولة، وفشلنا في بناء اقتصاد، وفشلنا في صياغة عقد اجتماعي.
وهزيمة اللحظة تُهزم بالعمل بتحويل الغضب إلى مشروع، والنزوح إلى خطة عودة، والدمار إلى ورشة إعادة إعمار.
▪️السودان لن ينقذه منتصر في هذه الحرب، بل سينقذه مشروع واضح المعالم، يؤسس لمبادئ لا حياد عنها: لا تعليم بلا مدرسة، ولا اقتصاد بلا إنتاج، ولا سياسة بلا أخلاق، ولا وطن بلا مواطن متساوٍ في الحقوق والواجبات.
وإلا . سننتظر 15 أبريل القادم، وسنكتب المقال نفسه، بالكلمات ذاتها، عن الهزيمة عينها.
فالتاريخ لا يرحم من يرفض أن يتعلم منه، واللحظة لا تعود مرتين.

Leave a Reply