شموعٌ في وجه العاصفة: تحية لأبطال الشهادة السودانية

صحيفة الهدف

بقلم : عادل احمد محمد

ليس كل نجاحٍ يُقاس بنسبة مئوية تُدوّن في الشهادات، فبعض الإنجازات تتجاوز الأرقام لتصبح شهادات ميلاد جديدة لإرادة شعب لا ينكسر. إن نجاح طلاب الشهادة السودانية في ظل هذه الحرب القاسية ليس مجرد تفوق أكاديمي عابر، بل هو معركة وعي كسبها هؤلاء الفتيان والفتيات بأقلامهم وإصرارهم، منتصرين على أصوات المدافع، ومرارة النزوح، وشظف العيش.

لقد جلس هؤلاء الطلاب إلى مقاعد الامتحان وأذهانهم مثقلة بذاكرة الحرب بيوتٌ هُجرت، ومدارس تحولت إلى ثكنات أو مراكز إيواء، وانقطاع مستمر للكهرباء والإنترنت، وقلق دائم على أهل وأحبة شتتتهم دروب النزوح واللجوء. لم تكن المذاكرة في أوقات كثيرة سوى سباقٍ مع ضوء شمعة خافتة، أو استراق لساعات من الهدوء الحذر لمراجعة صفحة في كتاب. ورغم كل هذا الحصار والخراب الذي طال شرايين الحياة والتعليم، اختار هؤلاء الأبطال أن يرفعوا راية المعرفة بدلاً من الاستسلام لليأس.

تحية إجلال خاصة لكل طالب وطالبة رابطوا في مدن وقرى السودان، تشبثوا بالأمل وسط الركام، وقرروا أن يكتبوا مستقبلهم بأيديهم في أكثر الفصول ظلمة في تاريخ البلاد. إن صبركم في وجه الخوف، وإصراركم على الجلوس لتلك الامتحانات رغم انعدام المقومات، هو أبلغ رسالة بأن الحرب يمكن أن تهدم المباني، لكنها عاجزة تماماً عن اغتيال العقول أو كسر الإرادة السودانية.

ولا تكتمل هذه الملحمة دون وقفة انحناء وإجلال للمعلمين والمعلمات حُراس الوعي وصنّاع هذا الأمل المستحيل. أولئك الذين حملوا أمانة الرسالة على عواتقهم رغم شح الموارد وانقطاع أو ضعف الرواتب، وتحدّوا قسوة الظروف المعيشية ومخاطر الحرب. لم يبخلوا بقطرة علم، ولم تثنِهم قلة ذات اليد عن بذل الجهد، بل فتحوا منازلهم ومراكز الإيواء والمساجد ليعلّموا ويبثوا الطمأنينة في قلوب طلابهم، ضاربين أروع أمثلة التجرد والوفاء الوطني والإنساني. إلى جانبهم يقف الآباء والأمهات، الذين جادوا بالقليل وصنعوا من المستحيل ملاذاً آمناً لاحتضان مسيرة أبنائهم.

إن هذا الفوج من خريجي الشهادة السودانية ليس جيلاً عادياً؛ إنه جيل الصمود، والركيزة الأساسية التي سيبنى عليها سودان الغد بعد أن تضع الحرب أوزارها. مبارك لكم هذا الفوز المستحق، والتحية لمعلميكم الأوفياء، وهنيئاً للسودان بجيل يزهر رغم الحريق ويصنع من الألم أملاً مستداماً.

#ثمرة_الجهد

#بين_الورقة_والقلم

#عزيمة_وإصرار

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.