كلمة الهدف: النقابة والسياسة

صحيفة الهدف

▪️تبدو العلاقة بين النقابة والسياسة أمرًا، بالغ التعقيد. بالذات عندما يتعلق الأمر بنقابة، مثل نقابة الصحفيين، مدعوة للحفاظ على استقلاليتها، بينما تجد نفسها، بحكم عمل منسوبيها اليومي، وسط شبكة من المصالح والهيئات السياسية والحكومية.
▪️وأن عليها استيعاب الكم الكبير من العضوية المتنوعة ثقافيًا وسياسيًا وفكريًا، تحت شعار النقابة للجميع، ولكل حزبه إن أراد، والدفاع عن مصالحها الفئوية والوطنية والمساواة وسيادة حكم القانون. وهو مجال للصراع السلمي، والاختلاف المشروع، في إطار الوحدة والديمقراطية والتعددية.
▪️ للعمل النقابي في السودان، تجاربه المميزة، في التعبير عن الاستقلالية، كما أن له تاريخه وتجربته في ربط النضال المطلبي، بالنضال الوطني. ومن هنا ينبع ما تمت الإشارة إليه، فيما سبق، “بالتعقيد”.
▪️فما يزال يلمع في الذاكرة مواقف العديد من النقابات والاتحادات النقابية إبان نظام عبود ونظام نميري، ومشهد تجمع المهنيين، النقابي وهو يتقدم جماهيره، وهو يحمل مذكرة مطلبية، تتعلق بزيادة الأجور والمرتبات. لكن في منتصف الطريق إلى المجلس الوطني، الوجهة النهائية للموكب المطلبي، حيث كان مقررًا أن يتم تسليم المذكرة، تقرر تغيير الوجهة نحو القصر الجمهوري، بعد أن تغير المطلب الفئوي، النقابي إلى آخر وطني ديمقراطي، أكثر اتساعًا وجذرية، يدعو إلى تغيير النظام عوضًا عن تحسين الأجور والمرتبات.
▪️كانت تلك الانعطافة الأبعد أثرًا في تطور حراك ديسمبر 2018، الذي أدى لإسقاط نظام عمر البشير عبر الانتفاضة الشاملة، العصيان المدني والإضراب والاعتصام السياسي.

▪️ لم تكن مأثرة ديسمبر ذات الطابع الثوري، فيما يخص تعيين حدود العلاقة بين النقابة والسياسة، سوى استعادة لتجارب ومواقف وخبرات سابقة. ومن ذلك أن التجمع النقابي، تحالف النقابات، آنذاك، بتنسيق مع التجمع السياسي الحزبي، قام بلعب دور حاسم في إسقاط الدكتاتور جعفر نميري عبر انتفاضة مارس أبريل 1985 بتفعيل الإضراب العام في إطار الانتفاضة الشعبية. وكذلك كان شأن جبهة الهيئات خلال سنوات النضال ضد أول حكم عسكري في البلاد ة، حتى إسقاطه بانتفاضة أكتوبر 1964.
▪️ولم يقتصر دور النقابات، عبر إطاراتها التحالفية والتنسيقية، على إسقاط النظام الدكتاتوري، فحسب، وإنما شاركت في الحكومات الانتقالية التي أعقبت سقوط الأنظمة العسكرية الثلاث. ما يمكن اعتباره ذروة في المشاركة السياسية.

▪️ وما يزال ينتظر النقابات، مهمة المشاركة الديمقراطية في إسقاط الردة وإنهاء الح.رب، فإنجاز الإضراب السياسي العام، السلاح المجرب، في النضال الوطني الديموقراطي، مرهون بالدور الوطني للنقابات، وبتحالفها التنسيقي مع تجمع الأحزاب وبقية مكونات الحراك السلمي الجماهيري، وذلك على الرغم مما ساد في العرف عن استقلالية النقابات، التي عادة ما تتم ترجمتها بعدم التعاطي مع السياسة. إذ أن موقفها، من الناحية النظرية والمبدئية، أقرب ما يكون إلى موقف زعماء القبائل والطرق الصوفية والموقف المطلوب من الجيش في الظام الديموقراطي التعددي.

▪️ وقد ترجمت نقابة الصحفيين السودانيين مؤخرًا، موقفها المستقل سياسيًا، بالخروج من التحالفات السياسية، بعد أن شغلت لبعض الوقت، موقع مراقب في تحالف صمود. من الطبيعي أن يكون للغالبية في مجلس النقابة كامل الحرية والحق في تقرير مواقف النقابة من أي مسألة، دون تدخل من أي جهة، وعلى الأقلية الانصياع لرأي الأغلبية، حسب ماهو سائد في التقاليد الديمقراطية في التنظيمات السياسية والنقابية وغيرها.
▪️ وانطلاقًا من استقلالية الصحفي نفسه، أساس مهنيته، فإنه لا يتوقع من النقابة غير الالتزام بهذا الموقف المبدئي . فكيفما تكونون، تكن أحزابكم ونقابتكم، ولا ديمقراطية مستدامة بلا أحزاب ونقابات وتنمية سيادية متوازنة وعدالة ومساواة.
كلمة الهدف
2026/9/16

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.