كضّبوا المطر وأكلوا التيراب كيف بددت النخبة المدنية ثورة ديسمبر؟

صحيفة الهدف

بقلم : ماجد الغوث

من أسهل الممارسات وأكثرها رواجاً في الفضاء السياسي اليوم، الركون إلى التوصيف السطحي، وحصر الحرب في كونها مجرد نزاع عبثي بين  جيش أب ودعم سريع ابن ، أو اختزالها في صراع بين شريكي انقلاب 25 أكتوبر والاتفاق الإطاري، مع المسارعة إلى إعلان براءة القوى المدنية من مسؤولية ما آلت إليه بلادنا.

بدايةً، يجب أن نضع الأمور في نصابها الصحيح إن الحديث وتوصيف الواقع العسكري الراهن ولطبيعة تشكّل الميليشيات وجرائم البندقية هو كلام نظري وتقرير لحالة قائمة لا يختلف عليها اثنان. فالكل يعلم أطراف الصراع المسلح، والكل يرى بأم عينه الجرائم والانتهاكات التي تطال الأبرياء من كل حدب وصوب. لكن الأزمة الكبرى تكمن في  التسطيح المتعمد للمشهد واختزاله في فوهات البنادق، مع غسل الأيدي بصورة مريبة من المقدمات الحتمية التي صنعت هذا الانفجار.

الانقلابات لا تنبت في الفراغ، وتغوّل العسكر وتمدد الميليشيات لا يحدث إلا حين تفتح النخبة السياسية المدنية الأبواب على مصاريعها بسبب الفشل، والعجز، والتنكر لاستحقاقات الثورة. ولكي نكون منصفين أمام التاريخ والشعب السوداني، يجب تفنيد أين تقف القوى المدنية الحاكمة من هذه الكارثة عبر المحاور التالية:

أولاً: خذلان القواعد وتفكيك الحاضنة الشعبية

إن الإيمان بالديمقراطية على مستواها الاجتماعي وقاعدتها الشعبية الواسعة كان وسيظل من ثوابت قناعاتنا ووجدان ثورة ديسمبر المجيدة. لقد خرج ملايين السودانيين في أطهر ثورة شعبية، وامتلكت الثورة رصيداً تنظيمياً حياً تقوده لجان المقاومة، والأجسام النقابية، والشباب المستعد للتضحية وحراسة التغيير.

لكن المعضلة كانت في تلك (الشلة ) التي صعدت إلى دفة الحكم حيث قاد رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك وحاضنته السياسية حكومة اتسمت بالتردد، والبيروقراطية المفرطة، والعجز الإداري الفادح:

* أين كانت حكومة حمدوك من استحقاقات لجان الخدمات والمقاومة؟ لقد تُركت تلك القواعد الثورية وحيدة في مواجهة المواطنين المحرومين من أبسط مقومات الحياة: البنزين، الجازولين، رغيف الخبز، الكهرباء، والغاز.

* وبدلاً من أن توفر الحكومة أدوات الصمود لحاضنتها لتثبيت أركان الحكم المدني، تحول المواطن في عهدهم إلى لاهث خلف طوابير المعيشة.

* أين كانت مطالب النقابات المهنية والعمالية التي بُحّت أصواتها بحثاً عن إصلاح هيكلي وتشريعي، وقوبلت بالتجاهل والتعالي النخبوي؟

هذا الإفلاس التنفيذي هو الذي كسر ظهر الحاضنة الجماهيرية، وخلق فجوة سخط شعبي واسعة، وجعل العسكر والميليشيات يطمعون في الانقضاض على المشهد بعدما رأوا بأعينهم ضعفاً وهواناً لا تخطئه عين.

ثانياً: التفريط في الملفات السيادية والأمنية

يجري الحديث أحياناً عن الميليشيات كأنها هبطت من السماء بعد الانقلاب، مع تجاهل تام لأن الحكومة المدنية التي تُبرأ ساحتها اليوم هي التي شرعنت وجود الميليشيا، وجالستها كطرف سياسي وندٍّ كامل السيادة.

لقد كان إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية، وإعادة بناء عقيدة الجيش والشرطة وتأهيلهما وتخليصهما من رواسب الماضي، واجباً واستحقاقاً دستورياً ملقى على عاتق قيادة الجهاز التنفيذي والسياسي. لكن النخبة المدنية فضّلت سياسة الترضيات والمهادنة وتقاسم النفوذ، وتخلت عن واجبها السيادي في ممارسة الرقابة المدنية الصارمة. وحين غاب مشروع الإصلاح المؤسسي، ملأ الفراغ منطق القوة وتمدد المال السياسي المشبوه، ليصبح الطريق ممهداً حتماً لكارثة 25 أكتوبر وتنازع النفوذ الذي فجّره الإطاري لاحقاً.

ثالثاً: لجنة إزالة التمكين.. الرئة التي أُغلقت عمداً

إذا أردنا الحديث عن المسار الثوري الصحيح، فإن التجربة الوحيدة التي لامست روح ديسمبر الجسورة كانت  (لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين) .

وهنا النقطة الجوهرية التي يتعامى عنها الكثيرون: لو أن حكومة حمدوك امتلكت الإرادة السياسية، وأحاطت لجنة إزالة التمكين بالدعم والحماية التشريعية والتنفيذية لتمضي في مسارها الاستراتيجي، لكان ميزان السودان المالي والتجاري والأمني اليوم في أمان تام:

* حماية الميزان المالي والتجاري: لعقود طويلة، تحكمت شبكات التمكين الطفيلية في سوق النقد الأجنبي، والمضاربات، وتجارة الذهب والمحاصيل النقدية، مما حرم الخزينة العامة من عائدات الصادر وأدخل البلاد في شلل اقتصادي دائم. تجريد واجهات التمكين ومؤسساته المالية ونقل أصولها إلى بنك السودان والخزانة العامة كان كفيلاً بوضع يد الدولة على مواردهم، واستقرار سعر الصرف، وتوفير الاحتياطي الكافي للسلع الأساسية.

* تجفيف شريان التغذية العسكري والأمني: المال السياسي المنهوب هو الوقود الحقيقي لكل الحروب والتمردات. استمرار اللجنة كان كفيلاً باستئصال منابع التمويل السرية التي استُخدمت لاحقاً في شراء السلاح وتجنيد الميليشيات وشراء الذمم السياسية.

* صمام أمان الثورة: كانت اللجنة تمثل الدرع الحقيقي الذي يحمي الحكم المدني من الانقضاض عليه، لكن ضعف الإرادة التنفيذية وحصار اللجنة من الداخل والخارج هو الذي مكّن الثورة المضادة من استعادة أنفاسها وشبكاتها المالية.

إن النتيجة النهائية لفشل حمدوك وحاضنته في إدارة ملفات الاقتصاد والأمن وتثبيت هياكل الحكم المدني انعكست سلباً وبشكل مدمر على مجمل الفضاء الثوري لديسمبر المجيدة.

الموقف الأخلاقي والوطني والشرعي الناجز لا يقف عند حد الترديد العاطفي لشعار  ( لا للحرب )وتبرئة الشركاء والفاعلين السياسيين من خطاياهم الموقف الحق يتطلب امتلاك شجاعة المحاسبة والمكاشفة، والاعتراف بأن إفلاس النخبة المدنية وتفريطها في استحقاقات الشعب هو الذي مهّد الأرضية لكل هذا الدمار، وبأن الثورة لن تسترد بوصلتها بمجرد بكائيات التبرير، بل بإدراك أن من عجز عن إدارة الدولة وحماية مواردها وشعبها لا يملك صك الحديث باسم وعي ديسمبر العظيم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.