نتيجة الشهادة السودانية ليست نهاية الطريق: من «لم يُقبل» في كشف 1998 إلى مهندس في جامعة الخرطوم و(آبل)

صحيفة الهدف

مختارات الملف

مع إعلان نتيجة الشهادة السودانية، الخميس، ستُفتح أبواب الفرح في بيوت، وستُخيّم مشاعر القلق والحسرة على بيوت أخرى. وفي الحالتين، تظل هناك حقيقة واحدة تستحق أن نتذكرها: النتيجة مهمة، لكنها ليست حكماً نهائياً على مستقبل الإنسان.

قصة المهندس السوداني محمد نورين تصلح تماماً لتذكيرنا بذلك.

في عام 1998، جلس محمد لامتحان الشهادة السودانية، وأحرز 78%. كان حلمه أن يلتحق بأكاديمية كرري التقنية العسكرية؛ وكانت نسبته عند الحد الأدنى المطلوب. دخل المعاينات، وانتظر نحو ثلاثة أشهر، وهو يظن أن حياته قد رتبت نفسها أخيرًا: العسكرية التي يحبها، والهندسة التي يريدها أهله له.

ثم ظهرت النتيجة.

لم يُقبل.

عاد إلى البيت، وجلس إلى جوار أمه وبكى. فقالت له: «يا ولدي، الخير فيما اختاره الله. ربنا كتب ليك حاجة أحسن منها… اصبر بس وشوف بعينك.»

لكن محمد لم يرَ وقتها أي «حاجة أحسن».

ابتعد عن الدراسة، وعمل في مهن مختلفة، قبل أن يدخل عالم التكييف مع أحد أقاربه. وكان يصلح المكيفات القديمة حتى تبدو، على حد وصفه الطريف، كأنها جديدة؛ حتى صار معروفاً بين الناس بـ«نورين بتاع المكيفات».

مرت سنة 1999، ودخل زملاؤه الجامعات، بينما ظل هو في سوق العمل.

وفي عام 2000، سأله والده: «يا ولدي، الكلام البتعمل فيهو ده ما بينفع، خطتك شنو؟»

فأجاب ضاحكاً: «والله يا أبوي ما عندي خطة… الخطة الوحيدة المتأكد منها إنو بكرة عندي مكيفين في الطائف.»

خيّره والده بين التقديم للجامعة بنتيجة 1998 أو إعادة الشهادة. اختار الإعادة.

كان أمامه نحو ستة أشهر. أخرج كتبه القديمة، ووضع لنفسه جدولاً صارماً للدراسة. أكثر من خمس ساعات يومياً؛ يكتب ما قرأه، وما فهمه، وما يحتاج إلى السؤال عنه. لم يكن ينتظر معجزة، بل كان يصنع لنفسه فرصة جديدة.

امتحن منازل.

وعندما ظهرت النتيجة، ذهب إلى الوزارة لاستلامها. نادى الموظف اسمه، ثم توقف وقال:

«ما شاء الله.»

استلم محمد الورقة، فإذا به أمام رقم لم يكن يتخيله:

91.4%

رياضيات: 100

كيمياء: 96

فيزياء: 95

عاد إلى أمه وأخبرها أنه أحرز 91%. لم تصدقه في البداية، وظنت أنه يمزح، حتى رأته يبكي من شدة الفرح.

لكن المفاجأة الحقيقية أن الـ91% لم تكن نهاية القصة، بل بدايتها.

التحق محمد بكلية الهندسة الكهربائية في جامعة الخرطوم، ثم عمل لأكثر من عشر سنوات في شركة (Schlumberger)، متنقلاً في عمله بين السودان وأنغولا وتكساس، قبل أن يصل إلى (Apple) مهندساً للبرمجيات المدمجة.

ومع كل ذلك، لم ينسَ السودان. أسس فريق «زول هاكس»، وعمل مع فريقه على مشروع طائرة مسيّرة لنقل الدم والأمصال والمواد الطبية، وأنفق من ماله الشخصي أكثر من 100 ألف دولار على المشروع.

هكذا تبدو الحياة حين نقرأها من آخر الصفحة.

الرجل الذي كتبوا أمام اسمه عام 1998: «لم يُقبل»، والذي ظن ذات يوم أن مستقبله انتهى عند 78%، أصبح بعد سنوات مهندساً يعمل في واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم.

لذلك، إلى كل طالب ظهرت نتيجته هذا الأسبوع: افرح إن كانت النتيجة كما تمنيت، واحزن إن خالفت توقعاتك، فهذا حقك. لكن لا تمنح ورقة الامتحان سلطة أن تكتب بقية حياتك نيابة عنك.

قد تكون النتيجة باباً فتح، وقد تكون باباً أغلق. وفي الحالتين، ليست كل الأبواب قد ظهرت بعد.

وأحياناً، كما قالت أم محمد، يكون الخير فعلاً في الطريق الذي لم نختره.

فالنتيجة تحدد محطة… ولا تحدد المصير.

#ملف_الهدف_الثقافي #الشهادة_السودانية #محمد_نورين #قصص_نجاح #التعليم_في_السودان #الإصرار_والنجاح

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.