إحسان الله عثمان
كانت معركة كرري في سبتمبر عام 1898 وما تلاها من أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ السوداني، ليس فقط بعدد القتلى والأرامل واليتامى، بل بما تركته من ندوب في الوعي الجمعي وآثار نفسية واجتماعية ممتدة عبر الأجيال. بينما اهتمت كتب التاريخ والتوثيق بالأحداث والمعارك، غابت تماماً الدراسات التوثيقية والتحليلية للآثار النفسية والاجتماعية لما بعد الح.رب، وظلت ضمن (المسكوت عنه) إلا من بعض المصادر والروايات الشفاهية والحكايا الشعبية وقليل من الإصدارات الكتابية؛ كرواية (شوق الدرويش) للكاتب حمور زيادة، ورواية (فاتنة المهدي) لدوقلاس لندق حيث تناولتا (الإنسان المصدوم)، ورواية (48) للكاتب الدكتور Mohamed AlMustafa Hamid التي ناقشت التغيرات المجتمعية في مخيال أدبي سردي ضمن منهج (الرواية التاريخية).
يُعد الأثر النفسي للحروب والأزمات ظاهرة عميقة وواسعة النطاق تستمر عواقبها لفترة طويلة؛ إذ تترك الح.روب والعنف والنزوح آثاراً نفسية دائمة على الأفراد والمجتمعات وتكون سبباً في الكثير من اضطرابات ما بعد الصدمة، وهي حالة صحية وعقلية ناجمة عن حدث مرعب إما بالتعرض المباشر أو المشاهدة.
اليوم ومع تجدد الح.روب والنزاعات، تتكرر الأنماط ذاتها: نزوح، فقدان، خوف، اضطراب ما بعد الصدمة، وانهيار في النسيج الاجتماعي، وكأن التاريخ لم يزل يدور في الدائرة نفسها دون أن تتاح فرصة حقيقية للتعافي الجمعي أو إعادة بناء الثقة بين الإنسان والمكان.
لقد أنتجت معركة كرري شعوراً عميقاً بالخذلان والاغتراب، وخلقت حالة من الشك والاحتراز الاجتماعي، وتراجعت قيم الأمان والتضامن بينما انتشرت ثقافة الصمت والخوف. ومن هنا بدأ ما يمكن تسميته بـ (الجرح المؤسس) في الوعي الجمعي: جرح الهزيمة والنجاة في آن واحد، وهو جرح لم يُعالج عبر مصالحة تاريخية أو تفريغ نفسي جمعي حقيقي.
أظهرت دراسات مختلفة أن معدلات الاضطراب النفسي والاكتئاب الشديد نتيجة الح.روب والأزمات تتراوح من 5 إلى 40% من مجموع المتأثرين، وتكون بمستويات أعلى في فئات الأطفال والمراهقين. تبدأ الأعراض في غضون شهر واحد من الحدث مسببة مشاكل كبيرة ومتفاوتة في شدتها على الحياة الاجتماعية والعمل والعلاقات والمهام اليومية العادية للأفراد، وتشمل الذكريات المتطفلة، التجنب، الرهاب، والتغيرات السلبية في التفكير والمزاج وردود الفعل الجسدية والعاطفية.
يشير مصطلح “قلق الح.رب” (War anxiety) إلى رد فعل مدهش وحزن ماكث ومستويات عالية من الإرهاق النفسي، بينما تأتي الأعراض العقلية في صورة نوبات ذعر ومخاوف وصعوبة في النوم. ويُعتبر الاكتئاب (depression) أحد أكثر المشاعر شيوعاً وسبباً لانخفاض مستويات الطاقة والحماس والتركيز. ويمكن أن ترتبط مشاعر التوتر والاضطراب بأعراض جسدية مثل التهاب المفاصل الروماتويدي وأمراض القلب والأوعية الدموية وغيرها من المشكلات الصحية الناجمة عن ارتفاع هرموني الكورتيزول والأدرينالين.
ويُعتبر الإنكار (Denialism) لما بعد الح.رب وسيلة دفاع نفسية تخرج من اللاوعي وحيلة بهدف تغيير الواقع من خلال التلاعب بالأفكار ورفض الاعتراف وتقبل الواقع للحماية من القلق أو الخوف أو الخسارة، وهو عملياً رفض التعامل مع الأزمة من خلال التجنب أو الانسحاب والتهاون بالآثار التي تنتج، مما يجعل الإنسان عاجزاً عن التعامل مع الواقع ومع المشكلات التي تتطلب قرارات معينة.
من تبعات الح.رب والصراعات التأثير على الأطفال والأجيال اللاحقة وتصوراتهم وتعاملهم مع الأحداث الصادمة، مما يؤدي إلى تأخر النضج المعرفي واللفظي والإدراك الذاتي للعلاقات بين السبب والنتيجة؛ لسوء وصعوبة فهمهم لهذه الأحداث المؤلمة وصعوبة التعبير عن العواطف والانفعالات والتفكير الخيالي والارتباك.
ينعكس ذلك أيضاً في أنواع مختلفة من السلوكيات وردود الفعل المرتبطة بالعلاقات بين الوالدين والطفل، وتشمل زيادة قلق الانفصال، التشبث بالوالدين، التغيرات في عادات الأكل، السلوك المتطلب (Demanding) والبحث عن الاهتمام، العدوانية، نوبات الغضب، والخوف من الموت وفقدان الأمان، مما يؤثر على قدرة الأطفال على السعي وراء احتياجاتهم (للحصول على الدعم أو الموارد) في وقت لاحق من فترات حياتهم، والتي يمكن أن تؤثر بدورها على صحتهم العقلية. كما تتضخم الآثار بالنسبة للأطفال المعوقين وفاقدي السند باعتبارهم الأكثر عرضة لخطر الهجر وفقدان الخدمات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
أشارت الدراسات إلى أن الناجين من الح.روب أو الكوارث الكبيرة يعانون من معدلات أعلى من أمراض المناعة الذاتية (Autoimmune diseases) مقارنة بالسكان الذين يعيشون في ظروف مستقرة نتيجة لعوامل عديدة؛ إضافة إلى العوامل الوراثية والجينية، الإجهاد المزمن، التعرض للسموم والملوثات، ونقص التغذية وسوء الحالة الصحية.
فالذين كتبوا تاريخ كرري ووثقوا الأحداث ركزوا على المعركة فقط وأغفلوا الإنسان المصدوم؛ الذاكرة التي لم تجد من يصغي إليها لغياب قراءة هذه الآثار بمناهج التحليل النفسي والدراسات الاجتماعية التي تضع الإنسان في “مركز السرد” وتبحث في كيفية شفاء الجراح لا تكرارها، وتأسيس وعي تاريخي عقلاني يخدم الحاضر والمستقبل. فالسودان في كل ح.روبه اللاحقة كان يحمل في ظله الطويل صدى بعيداً من كرري وأم درمان.
أبوظبي – سبتمبر 2026
#ملف_الهدف_الثقافي #معركة_كرري #أم_درمان #إحسان_الله_عثمان #الذاكرة_والتاريخ #أدب_الحرب #التاريخ_السوداني

Leave a Reply