الحلقة الثالثة: من الانقسام إلى الحصانة: كيف يتعلم البعث من تجربة التساقط؟ (2)
طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
ومن هنا فإن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تبدأ بالعقوبة، بل بالوقاية، ولا ينبغي أن تبدأ بعد اكتمال التكتل، بل عند لحظة الجرح الأولى. ويمكن تصور هذه العملية في مسار متدرج: استماع مبكر يمنع تراكم الألم، وتحقق عادل يميز بين الشكوى والاتهام، وحوار مؤسسي يفتح طريقاً للاختلاف، ومراجعة تصحح الخطأ إن وجد، ثم تمييز واضح بين النقد والاعتراض والخروج والتكتل والعمل ضد المؤسسة، بحيث لا تُستخدم أداة واحدة لمعالجة حالات مختلفة. فإذا بقي الخلاف داخل هذه الدائرة أمكن احتواؤه، وإذا تجاوزها وجب تطبيق النظام الداخلي بعدالة ووضوح. أما الغاية النهائية فلا ينبغي أن تكون إسكات المختلف، وإنما إعادة بناء الثقة ما أمكن، وحماية المؤسسة حين يتعذر ذلك.
وهنا تظهر قيمة العبارة العميقة للقائد المؤسس عفلق التي نعود إليها مرة أخرى: (ما زلت أناضل لأكون بعثياً)، فهي لا تعني فقط أن الإنسان يظل عضواً في الحزب، وإنما أن البعثي يظل في حالة مراجعة وبناء للذات. ومن ثم فإن معيار الالتزام لا ينبغي أن يكون عدد السنوات، ولا عدد المواقع، ولا حجم التاريخ التنظيمي وحده، وإنما القدرة على أن يظل الإنسان وفياً للمبدأ عندما تتغير الظروف. وهذا يقودنا إلى الاستراتيجية الأوسع: كيف يتحول درس التساقط إلى مشروع حصانة؟، وكما يلي:
أولاً، بناء ثقافة مؤسسية تجعل النقد جزءاً من الحياة التنظيمية، لا حادثة استثنائية.
ثانياً، تطوير آليات واضحة وموثوقة للشكاوى والمراجعة قبل أن تتراكم الأزمات.
ثالثاً، الفصل بين التقييم التنظيمي وبين الإدانة الشخصية، حتى لا يتحول القرار التنظيمي إلى جرح في الكرامة.
رابعاً، تعزيز التربية التي تحول المبادئ من معلومات إلى سلوك، خصوصاً في لحظات الاختلاف وفقدان الموقع.
خامساً، بناء حضور مؤسسي معرفي وإعلامي يجعل التنظيم قادراً على الحوار مع جمهوره، دون تحويل وسائل التواصل إلى ساحة للمحاكمات الشخصية أو صناعة الشرعيات البديلة.»
سادساً، تطوير قراءة تاريخية للتجارب السابقة لا تقوم على توزيع الاتهامات، وإنما على اكتشاف الآليات التي أنتجت الانقسام، وما الذي كان يمكن فعله لمنعه أو احتوائه.
وسابعاً، ترسيخ التمييز الأخلاقي بين من يختلف، ومن يخرج، ومن يعمل ضد المؤسسة، لأن الخلط بين هذه الحالات يظلم الإنسان، كما يضعف قدرة التنظيم على تشخيص الخطر الحقيقي.
إذن الحصانة التنظيمية لا تعني أن يصبح التنظيم محصناً ضد الخطأ أو أن يختفي التساقط من داخله، فهذا تصور غير واقعي عن الإنسان والتاريخ. الحصانة تعني أن تقل قدرة الجرح على التحول إلى خصومة، وأن تقل قدرة الخلاف على التحول إلى تكتل، وأن تقل قدرة التكتل على التحول إلى انقسام، وأن تظل للمؤسسة قدرة على التصحيح حتى عندما تقع الأزمة. فالقوة ليست في غياب الجراح، وإنما في قدرة الجسد على منع الجرح من التحول إلى مرض.
ولعل أهم ما يمكن أن تستفيده المؤسسة من دراسة التساقط هو أن الوقاية لا تعني منع الناس من المغادرة، وإنما منع أسباب الخصومة. فالحزب القوي ليس الذي لا يفقد أعضاءه أبداً، فهذا أمر غير واقعي في أي تجربة بشرية. الحزب القوي هو الذي يستطيع أن يفهم لماذا يفقد بعض أعضائه، ولماذا يتحول بعضهم إلى خصوم، ولماذا يبقى آخرون قريبين من الفكرة رغم ابتعادهم التنظيمي. وهنا تصبح دراسة التساقط وسيلة لإعادة بناء العلاقة، لا مجرد وسيلة لتوزيع الاتهامات.
ومن المفيد كذلك ألا تُقرأ دراسة الأستاذ المناضل محمد ضياء الدين منفصلة عن التراث الفكري الذي تناول الإنسان والبعث والقومية والمستقبل. ففكرة (الإيمان)، عند القائد المؤسس عفلق، وفكرة (المستقبل)، وفكرة (القومية العربية حب قبل كل شيء)، وغيرها من كتاباته في (في سبيل البعث)، يمكن أن تقدم إطاراً أوسع لفهم القضية. فالإيمان، في هذا السياق، ليس مجرد اعتقاد ذهني، وإنما قوة داخلية تجعل الإنسان قادراً على الاستمرار عندما لا تكون النتائج مضمونة. والمستقبل ليس مجرد زمن قادم، وإنما قدرة الإنسان على تجاوز واقعه وصناعة ما لم يوجد بعد. والقومية ليست مجرد شعار سياسي، وإنما علاقة بالإنسان والتاريخ والرسالة. إذا كانت القومية العربية، في تراث البعث، علاقة بالإنسان والتاريخ والرسالة قبل أن تكون مجرد مفهوم سياسي، فإن الرفيق لا يمكن أن يصبح عدواً لمجرد اختلافه، لأن تحويل الخلاف إلى كراهية يضرب البعد الإنساني الذي يفترض أن يمنح الفكرة معناها الأخلاقي.
ومن هنا يمكن القول إن دراسة التساقط والانحراف تعيدنا إلى السؤال الذي كان حاضراً في كتابات القائد المؤسس عفلق بصورة أو بأخرى: أي إنسان نريد أن تصنعه الفكرة؟. فإذا كانت الفكرة لا تنتج إنساناً قادراً على تجاوز ذاته، فقد تبقى في مستوى الشعار. أما إذا استطاعت أن تجعل الإنسان أكبر من موقعه، وأكبر من مصلحته، وأكثر قدرة على النقد الذاتي، وأشد احتراماً للمؤسسة، وأقدر على تحمل الاختلاف، فإنها تتحول من فكرة تُقال إلى قيمة تُعاش.
والانحراف، في هذه القراءة، لا ينبغي أن يُختزل في مخالفة تنظيمية محددة، فقد يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تنقلب معايير الحكم داخل الإنسان: فيصبح الموقع معياراً للحق، والجماعة معياراً للصواب، والخصومة معياراً لقراءة الماضي، والمصلحة الشخصية معياراً لتفسير المبدأ. عندها لا يكون الانحراف مجرد خروج عن قاعدة، وإنما تحولاً في البوصلة الداخلية التي يقيس بها الإنسان نفسه والفكرة والمؤسسة.
وهنا ربما تكون القيمة الأكبر في دراسة الأستاذ المناضل محمد ضياء الدين أنها تنقلنا من سؤال: ( من الذين سقطوا؟) إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يحدث السقوط؟. ثم إلى السؤال الأعمق: كيف يمكن منع أسبابه؟. وهذه النقلة هي التي تجعل الدراسة ذات قيمة تتجاوز الحالات والأسماء. فالذي يريد أن يحمي تجربة سياسية لا يكفيه أن يعرف خصومها، عليه أن يعرف نقاط ضعف الإنسان داخلها. والحزب الذي يريد أن يحافظ على وحدته لا يكفيه أن يمتلك نظاماً داخلياً، عليه أن يجعل أعضائه يشعرون بأن المؤسسة بيت للحرية والمسؤولية معاً.
والقيادة التي تريد أن تمنع التكتل لا يكفيها أن تواجه التكتل بعد ولادته، عليها أن تمنع الظروف التي تدفع الإنسان إلى البحث عن جماعة بديلة. والبعثي الذي يريد أن يظل بعثياً لا يكفيه أن يحمل تاريخاً نضالياً، عليه أن يظل، كما قال القائد المؤسس عفلق، يناضل ليكون بعثياً.
لهذا فإن الدراسة، في جوهرها، ليست عن الذين غادروا البعث فقط، بل عن الذين بقوا، وكيف ينبغي أن يبقوا. وليست عن التكتلات وحدها، بل عن كيفية بناء تنظيم لا يجعل الإنسان أسيراً لموقعه، ولا يجعل الاختلاف طريقاً إلى الخصومة. وليست عن الماضي وحده، بل عن سؤال المستقبل. فالمستقبل لا تحميه كثرة الشعارات، ولا كثرة الأسماء، ولا حتى قوة التنظيم وحدها، وإنما يحميه إنسان يؤمن بالفكرة، ويمارسها، ويقبل مراجعة ذاته، ويحترم المؤسسة، ويعرف أن الموقع تكليف لا امتياز، وأن الرفيق أكبر من الخلاف، وأن الحزب أكبر من الأشخاص.
ومن هنا يصبح الرهان الحقيقي ليس على ألا يسقط أحد، فهذا ليس من طبيعة البشر، وإنما على أن تكون الفكرة أقوى من ضعف الفرد، والمؤسسة أقوى من الشخص، والوعي أقوى من الانفعال، والنقد أقوى من المكابرة، والرفاقية أقوى من الخصومة.
وهذا، في النهاية، هو السؤال الذي تتركه دراسة الأستاذ المناضل محمد ضياء الدين مفتوحاً أمام البعثيين: هل يستطيع البعث أن يحوّل تجارب التساقط والانحراف التي عرفها خلال تاريخه من جراح في الذاكرة إلى معرفة تبني المستقبل؟. إذا استطاع ذلك، فإن دراسة التساقط لا تصبح دراسة عن نهاية الطريق، وإنما تصبح دراسة في كيفية مواصلة الطريق. ولعل نجاح المؤسسة في التعامل مع ظاهرة التساقط لا يقاس بعدد من بقي فيها فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج إنسان يستطيع أن يختلف دون أن يتشظى، وأن يخسر موقعه دون أن يخسر مبدئه، وأن يخرج دون أن يتحول إلى خصم، وأن يبقى دون أن يتحول إلى تابع. بالإضافة الى تعزيز العلاقة الرفاقية في والتي تعتبر رابطة روحية وأخلاقية ونضالية، تجمع المؤمنين بفكرة واحدة، وتجعل منهم جسداً واحداً في مواجهة التحديات. إنها ليست مجرد تنظيم، بل هي أسرة روحية، وجماعة مصير، ونواة للأمة المستقبلية التي يسعى البعث إلى تحقيقها.

Leave a Reply