البعث العربي إرادة الحياة: من إيقاظ الإرادة إلى صناعة التاريخ: قراءة فلسفية وعلمية في نص القائد المؤسس ميشيل عفلق بين (الإيمان)، و(البطولة)، و(المثالية الواقعية)، وسؤال الحاضر والمستقبل

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

حمل البعث العربي وارادة الحياة

النص المنشور تحت عنوان (البعث العربي إرادة الحياة)، والمؤرخ في نيسان 1950، يبدو للوهلة الأولى حديثاً عن قوة الحركة الناشئة وثقتها بنفسها، لكنه عند قراءته في سياقه الفكري الأوسع يتجاوز ذلك بكثير. نحن أمام نص يحاول الإجابة عن سؤال جوهري: من أين تستمد الأمة قدرتها على النهوض؟ وهل تأتي القوة من عدد الأفراد، أم من تنظيمهم، أم من الفكرة التي توحدهم، أم من التاريخ الذي يمنحهم الإحساس بالاستمرار؟

وهنا تكمن أهمية النص اليوم. فالنصوص الفكرية الكبيرة لا تعيش فقط في زمن كتابتها، وإنما تعود إلى الحياة كلما واجه الإنسان السؤال ذاته الذي حاولت الإجابة عنه. وفي (إرادة الحياة) يبدو السؤال شديد المعاصرة: كيف تتحول الفكرة من وعي فردي إلى إرادة جماعية، ومن إرادة جماعية إلى حركة، ومن الحركة إلى قدرة على تغيير الواقع؟

هذه الفكرة تتصل اتصالاً واضحاً بما ظهر في نصوص (في سبيل البعث). ففي (الإيمان) ظهر الإيمان باعتباره طاقة داخلية تؤسس للعمل ولا تستبدل به، وفي (عهد البطولة) برزت البطولة بوصفها قدرة الإنسان على تحويل المبدأ إلى فعل ومواجهة الواقع، وفي (المثالية الواقعية) ظهرت محاولة تجاوز الثنائية بين المثال والواقع، بحيث لا يتحول المثال إلى حلم منفصل عن الواقع، ولا يتحول الواقع إلى ذريعة للتخلي عن المثال.

ومن هنا يمكن القول إن (إرادة الحياة) تأتي كحلقة مهمة في هذه السلسلة الفكرية: الإيمان يمنح الإنسان الطاقة، والبطولة تمنحه القدرة على الفعل، والمثالية الواقعية تمنحه القدرة على التوفيق بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، أما الإرادة فتجمع هذه العناصر وتحولها إلى حركة تاريخية. يؤكد القائد المؤسس ميشيل عفلق في مستهل مقاله أن (ما استطعنا أن نعمله حتى الآن من فضائل إنما يرجع الفضل في ذلك كله إلى هذه الإرادة المستقلة في الأمة التي تفرض نفسها على طبيعة أبنائها). فالإرادة ليست رغبة نفسية، بل هي قوة تاريخية واجتماعية كامنة في الأمة، تظهر من خلال الإنسان عندما يصبح واعياً بقدرته على الفعل. أهم ما ينبغي الانتباه إليه في النص هو أن القائد المؤسس ميشيل عفلق لا يستخدم مفهوم الإرادة بمعنى الرغبة النفسية أو الأمنيات. الإرادة في هذا السياق أقرب إلى قوة تاريخية واجتماعية كامنة في الأمة، تظهر من خلال الإنسان عندما يصبح واعياً بقدرته على الفعل.

وهذا يفسر بداية النص التي يضع فيها الفرد في موقع مختلف عن الصورة البطولية التقليدية للفرد. فالإنسان، في هذا التصور، ليس صانع التاريخ منفرداً؛ وإنما هو تعبير عن طاقة أوسع منه. ولذلك يربط الكاتب ما يستطيع الفرد تحقيقه بما يسميه إرادة الأمة المستيقظة.

هذه الفكرة لها قيمة فلسفية كبيرة، لأنها تنقل مفهوم النجاح من الإنجاز الفردي إلى الإنجاز الجماعي. الإنسان لا يصبح عظيماً فقط بما يحقق لنفسه، وإنما بمقدار ما يستطيع أن يكون تعبيراً عن حاجة تاريخية تتجاوز ذاته. وهنا يظهر أحد المفاتيح الأساسية لفهم فلسفة البعث: الفرد لا يُلغى داخل الجماعة، لكنه يجد اكتماله في ارتباطه بمصير أوسع من مصلحته الخاصة.

وهذا قريب من الفكرة التي ظهرت في القراءة حول (ذكرى الرسول العربي)، حيث يصبح التغيير الحقيقي انتقالاً من الإنسان إلى الإرادة، ومن الإرادة إلى الجماعة، ومن الجماعة إلى الفعل التاريخي. لكن القراءة المعاصرة يجب أن تضيف سؤالاً ضرورياً: كيف نحافظ على الجماعة دون أن يتحول مفهوم الجماعة إلى إلغاء للفرد؟ وكيف نحافظ على الفكرة دون أن تتحول إلى عقيدة مغلقة تمنع النقد؟ وهذا سؤال لا ينتقص من النص، بل يجعله أكثر قابلية للحياة.

من أكثر الأفكار إثارة في النص تأكيده أن الفكرة ينبغي أن تكون أعلى من الأشخاص، وأن قيمة القائد لا تأتي من شخصه وإنما من مقدار تمثله للفكرة. وهذه نقطة شديدة الأهمية في أي قراءة جادة للفكر السياسي. فالحركة التي تصبح مرتبطة بشخص واحد تصبح معرضة لأن تتحول من مشروع فكري إلى مشروع شخصي. أما الحركة التي تجعل الفكرة فوق الأشخاص، فإنها تفتح الباب أمام المحاسبة والنقد وتجديد القيادة.

لكن هنا أيضاً توجد ضرورة للقراءة النقدية. وضع الفكرة فوق الشخص لا يكفي وحده. فالسؤال الأهم هو: من يفسر الفكرة؟ ومن يحدد مدى التزام القائد بها؟ ومن يملك حق نقد القيادة؟

إذا كانت الفكرة أعلى من الأشخاص، فيجب أن تكون المؤسسة أعلى من الأشخاص أيضاً، ويجب أن تكون قواعد العمل الديمقراطي والنقد والمراجعة أعلى من الأشخاص. وإلا يمكن أن تتحول عبارة (الطاعة للفكرة) من وسيلة لحماية المشروع إلى وسيلة لحماية تفسير واحد للفكرة.

وهنا تلتقي هذه القراءة مع موضوع التساقط والانحراف؛ إذ إن القضية ليست فقط: من الذي انحرف؟ وإنما كيف تسمح البنية التنظيمية والفكرية بحدوث الانحراف، وكيف يمكن بناء آليات تمنعه؟ وأن الفكرة لا تصبح قيمة حية إلا عندما تنتج إنساناً أكبر من موقعه ومصلحته، وأكثر قدرة على النقد الذاتي واحترام المؤسسة وتحمل الاختلاف. وهذا ربما يكون أحد أهم الدروس التي يمكن أن نستخرجها من (إرادة الحياة) بعد أكثر من سبعة عقود.

ينتقل النص بعد ذلك إلى فكرة مركزية: ثقة الأمة بنفسها واعتمادها على قواها. ويضيف القائد المؤسس ميشيل عفلق مؤكداً أن (فلسفة البعث العربي تختصر في هذه الكلمة: ثقة الأمة العربية بنفسها، واعتمادها على قواها). وهذا لا يعني العزلة عن العالم، بل رفض أن تكون القوة الداخلية مرهونة بقوة خارجية، فالاستقلال الحقيقي، في منطق النص، يبدأ من قدرة المجتمع على إنتاج إرادته. وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين:

الاعتماد على الذات لا يعني العزلة عن العالم: الدولة أو الأمة تستطيع أن تتعاون مع الآخرين، وأن تستفيد من المعرفة والخبرة والتكنولوجيا والعلاقات الدولية، من دون أن تجعل قرارها مرتهناً لإرادة خارجية. وهذه الفكرة يمكن قراءتها اليوم بلغة التنمية الحديثة أيضاً: لا يمكن لأي مجتمع أن يبني نهضته اعتماداً دائماً على الموارد الخارجية، إذا لم يمتلك رأس المال البشري والمؤسسات والمعرفة والقدرة الإنتاجية التي تمكنه من صناعة مستقبله. ومن هذه الزاوية، تصبح (إرادة الحياة) أقرب إلى مفهوم حديث يمكن تسميته القدرة المجتمعية على الفعل.

فالأمة التي تمتلك الموارد ولكنها لا تمتلك القدرة على تنظيمها لا تنتج نهضة. والأمة التي تمتلك الأفكار ولكنها لا تمتلك المؤسسات لا تحول الأفكار إلى واقع. والأمة التي تمتلك المؤسسات ولكنها تفقد الثقة بذاتها تصبح قابلة للتبعية.

إذن، الإرادة في النص ليست حالة نفسية فقط؛ إنها رأس مال اجتماعي وسياسي وأخلاقي.

هنا نصل إلى صلة شديدة الأهمية بين هذا النص ومقال (المثالية الواقعية)، فالقائد المؤسس ميشيل عفلق لا يقول إن الأمة تستطيع تغيير الواقع بمجرد تمنيه. بل يربط الحركة بالواقع وبالوعي بمصلحة المجتمع. لذلك فإن المثالية التي يتحدث عنها ليست مثالية حالمة، وإنما محاولة لجعل الواقع نقطة انطلاق نحو ما هو أفضل. وهذه نقطة تستحق إعادة صياغة معاصرة: الواقعية التي تتخلى عن المبدأ تتحول إلى استسلام، والمثالية التي تتجاهل الواقع تتحول إلى رومانسية سياسية. أما الواقعية الفاعلة فهي أن ترى الواقع كما هو، ولكن لا تعتبره قدراً نهائياً.

وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم الإرادة مهماً؛ لأن الإرادة هي المسافة بين ما هو موجود وما يمكن أن يوجد. ومن هنا فإن المستقبل، في هذه الفلسفة، لا يكون مجرد امتداد آلي للحاضر. المستقبل يصبح نتيجة لقدرة الإنسان على التدخل في الحاضر وتغييره.

ومن الأفكار اللافتة في النص اعتباره أن مجرد ظهور حركة تسير في الاتجاه الصحيح يمكن أن يكون محفزاً لإيقاظ المصلحة الكامنة في المجتمع. وهنا نجد تصوراً مهماً لطبيعة العلاقة بين الطليعة والجمهور. الطليعة ليست بديلاً عن المجتمع، وإنما يفترض أن تكون أداة لإيقاظ طاقاته الكامنة. وهذا فارق جوهري. فإذا أصبحت الطليعة ترى نفسها مالكة للحقيقة نيابة عن المجتمع، فإنها تنفصل عنه. أما إذا فهمت دورها باعتباره تنظيم الوعي الاجتماعي وتحويل الإرادة المبعثرة إلى فعل منظم، فإنها تؤدي وظيفة تاريخية مختلفة. وهذا يفتح الباب أمام قراءة معاصرة لمفهوم الحزب؛ فالحزب ليس غاية في ذاته. والتنظيم ليس غاية في ذاته. والجماهير ليست مجرد قاعدة عددية. والقيمة الحقيقية للتنظيم تقاس بقدرته على تحويل الوعي إلى فعل، والفعل إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تغيير مستدام.

وهذه نقطة بالغة الأهمية إذا أردنا قراءة (إرادة الحياة) للمستقبل لا للماضي فقط. ويصف القائد المؤسس ميشيل عفلق العلاقة بين الحركة الرائدة والمجموع الغافي بأنها (تجارب مستمرة وتعاون دائم) حتى يتحقق البعث. وهذا المفهوم يحمل دلالة عملية بالغة الأهمية: فالتغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو عملية تراكمية من التجارب والتفاعل بين الطليعة الواعية والجماهير التي تستيقظ تدريجياً. فالطليعة ليست بديلاً عن المجتمع، بل هي أداة لإيقاظ طاقاته الكامنة، والمجموع الغافي ليس عدواً، بل هو مادة التاريخ التي تنتظر أن تستيقظ إرادتها. وهذه الرؤية تمنح العمل السياسي بعداً تربوياً، وتجعل من التنظيم أداة لبناء الوعي، لا مجرد أداة للسيطرة.

من أكثر مقاطع النص عمقاً حديثه عن أن قوة الحركة لا تستند فقط إلى عدد أنصارها في اللحظة الراهنة، وإنما إلى ما يراه الكاتب امتداداً في التاريخ العربي. وهنا نحتاج إلى قراءة دقيقة. من الناحية الفكرية، هذه الفكرة تعني أن الإنسان لا يبدأ من الصفر، فهو يحمل معه ذاكرة جماعية وتجارب تاريخية ورموزاً وقيمًا تشكل جزءاً من وعيه.

لكن من الناحية العلمية، يجب الحذر من تحويل (التاريخ) إلى قوة حتمية تعمل بصورة آلية. التاريخ لا يصنع المستقبل وحده. الماضي يمكن أن يمنح المجتمع المعنى والدروس والهوية، لكنه لا يضمن النجاح. وهنا تصبح العبارة الأساسية التي يمكن أن نستخلصها: التاريخ يمنحنا الذاكرة، لكنه لا يمنحنا المستقبل جاهزاً. المستقبل يحتاج إلى معرفة، ومؤسسات، وتعليم، واقتصاد، وإدارة، وقيادة، وقدرة على التعلم من الأخطاء. وهذا يجعل قراءة (إرادة الحياة) اليوم أكثر ثراءً من قراءتها في سياقها التاريخي الأصلي.

يحدد النص الحرية والاشتراكية والوحدة باعتبارها تعبيراً عن مصلحة الأمة العربية. ويشير القائد المؤسس ميشيل عفلق في نصه إلى مفهوم بالغ الأهمية حين يميز بين (العدد الأكبر) من الشعب العربي، و(تلك الأقلية المشوهة الشاذة المنكرة لذاتها، المستعبدة لأنانياتها ومصالحها الخاصة، لأنها لم تعد من الأمة). وهذا التمييز يحمل دلالة سياسية وأخلاقية عميقة: فالأمة، في هذه الرؤية، ليست مجرد مجموع سكاني، بل هي الجماعة التي تعي مصلحتها وتعمل من أجلها. أما النخب التي تنفصل عن مصالح الجماهير، وتستعبد أنانيها ومصالحها الخاصة، فإنها تفقد انتماءها للأمة، حتى لو كانت تحتل مواقع السلطة والنفوذ. وهذا المفهوم يفتح باباً نقدياً مهماً لقراءة واقع النخب في المجتمعات العربية المعاصرة.

وهذه الثلاثية هي في الحقيقة واحدة من المفاتيح المركزية للفكر البعثي، فالحرية تعني التحرر، والوحدة تعني تجاوز التجزئة، والاشتراكية تعني معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية وإتاحة المجال أمام طاقات المجتمع. واللافت أن النظام الداخلي للحزب نفسه يربط القومية بإرادة الشعب العربي في التحرر والوحدة وتحقيق شخصيته في التاريخ، كما يربط الاشتراكية بفتح إمكانات الأمة وتحقيق نموها المادي والمعنوي. لكن السؤال المعاصر هو: كيف نعيد تعريف هذه المفاهيم في القرن الحادي والعشرين؟ فالحرية اليوم ليست فقط التحرر من الاستعمار؛ وإنما تشمل حرية المواطن، وسيادة القانون، والمشاركة السياسية، وحرية التفكير، وحق الاختلاف. والاشتراكية لا يمكن أن تقرأ اليوم فقط من خلال نماذج اقتصادية تاريخية، بل يمكن إعادة التفكير فيها باعتبارها سؤالاً عن العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والحماية الاجتماعية، وتوزيع ثمار التنمية، وإتاحة التعليم والصحة والعمل الكريم.

والوحدة لا يمكن أن تعني إلغاء التنوع. فالقراءة السابقة حول جدلية التنوع والوحدة أكدت أن الوحدة المستدامة ليست تماثلاً بين الناس، وإنما إطاراً ينظم اختلافاتهم ويحول التنوع إلى مصدر قوة. وهنا يمكن تطوير الثلاثية لتصبح: حرية الإنسان + عدالة المجتمع + وحدة الإرادة والمصير.

لا يتوقف النص عند التاريخ العربي، بل يضيف بعداً مهماً حين يربط النهضة العربية بما يسميه الاتجاه العام للتاريخ الإنساني نحو الحرية والتقدم والعدل. وهذه من أكثر أفكار النص قابلية للتطوير. فالفكرة القومية، إذا كانت مشروعاً إنسانياً، لا ينبغي أن تكون ضد الآخر، وإنما يجب أن ترى نهضة الأمة باعتبارها إضافة إلى الحضارة الإنسانية.

وهذا يتسق مع التصور الوارد في المرجعية الفكرية للحزب بأن القومية ليست عزلة عن الأمم، وإنما إرادة للتحرر والتوحد والتعاون مع سائر الأمم فيما يخدم الإنسانية. وهنا تبرز معادلة مهمة: القومية التي تنغلق على ذاتها تتحول إلى عصبية، أما القومية التي تنفتح على الإنسانية فتتحول إلى مشروع حضاري. وهذا التفريق مهم جداً في القراءة المعاصرة.

ثلاث قوى تصنع المستقبل: يمكن اختزال البناء الفكري للنص كله في ثلاث دوائر من القوة:

  • قوة الحاضر: مصلحة الناس واحتياجاتهم الفعلية.

  • قوة الماضي: الذاكرة والتجربة التاريخية والقيم المتراكمة.

  • قوة المستقبل: الاتجاه الإنساني نحو الحرية والعدل والتقدم.

وهذه الثلاثية تمنح النص تركيباً فلسفياً بالغ الأهمية: حيث لا يمكن أن نبني المستقبل من الماضي وحده، لأن الماضي لا يتكرر. ولا يمكن أن نبنيه من الحاضر وحده، لأن الحاضر مليء بالقيود. ولا يمكن أن نبنيه من المستقبل وحده، لأن المستقبل بلا أدوات يتحول إلى حلم. إنما يبدأ الفعل التاريخي عندما تلتقي ذاكرة الماضي مع حاجات الحاضر وإمكانات المستقبل. وهنا نصل إلى جوهر (إرادة الحياة).

ويختم القائد المؤسس ميشيل عفلق بتحديد مصادر القوة التي يعتمد عليها البعث، فيقول: (نحن محاطون بقوى ثلاث أساسية تكفي لكي تملأ قلوبنا بالثقة والعزم: قوة مصلحة الشعب العربي في حاضره، والتاريخ العربي في ماضيه، والتاريخ الإنساني في تقدمه نحو الحرية والاشتراكية والوحدة). وهذه القوى الثلاث تشكل الأساس الذي تنطلق منه الإرادة لتصنع المستقبل.

ماذا يقول النص لنا اليوم؟ بعد أكثر من سبعين عاماً، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل ما زالت كل مفردات النص صالحة كما هي؟ السؤال الأكثر علمية هو: ما الذي يمكن استبقاءه من منطقه الفكري، وما الذي يحتاج إلى إعادة تفسير؟ يمكن استبقاء فكرة أن النهضة تبدأ من الإنسان، وأن الفكرة لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى فعل، وأن التنظيم ينبغي أن يكون خادماً للمشروع لا بديلاً عنه، وأن الاستقلال الحقيقي يحتاج إلى قدرة داخلية، وأن التاريخ مصدر للتعلم وليس بديلاً عن العمل. لكن المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية تحتاج إلى تطوير مستمر وفق تغير العالم.

وهذا يتفق مع قراءة المرجعية الحزبية، والتي خلصت إلى أن النصوص المؤسسة يمكن أن تقدم المبادئ العامة، بينما تبقى السياسات والتطبيقات مجالاً للاجتهاد التاريخي بحسب تغير الزمان والمكان. وهذه ربما تكون الطريقة الأكثر نضجاً في التعامل مع (في سبيل البعث)، لا تقديس النص، ولا إسقاطه؛ وإنما فهمه، ونقده، واستخراج منطقه القابل للحياة.

من (إرادة الحياة) إلى (إرادة المستقبل): إذا أردنا أن نقرأ النص للمستقبل، فإن أهم تطوير يمكن أن نضيفه إلى مفهوم الإرادة هو أن الإرادة وحدها لا تكفي. فالإرادة تحتاج إلى معرفة. والمعرفة تحتاج إلى مؤسسات. والمؤسسات تحتاج إلى كفاءة. والكفاءة تحتاج إلى إنسان قادر على التعلم والنقد والتجدد. ولهذا فإن معادلة المستقبل يمكن أن تصبح: إيمان بالفكرة → وعي بالواقع → إرادة للتغيير → تنظيم للفعل → مؤسسة تحمي الإنجاز → مراجعة مستمرة → قدرة على صناعة المستقبل.

وهنا تلتقي هذه القراءة بصورة لافتة مع الخيط الذي ظهر في النصوص الفكرية التالية: فالإيمان ليس بديلاً عن الفعل، والبطولة ليست مجرد تضحية، والمثالية ليست انفصالاً عن الواقع، والقومية ليست مجرد شعار، والمستقبل ليس انتظاراً لما سيأتي، وإنما قدرة الإنسان على إنتاج ما لم يوجد بعد. وفي قراءة لفكرة (المستقبل) حيث خلصت إلى أن قيمة الفكرة تظهر عندما تجعل الإنسان أكثر قدرة على تجاوز واقعه لا مجرد ترديد شعاراته.

الخلاصة: ربما تكون أهم قيمة في مقال (البعث العربي إرادة الحياة) أنها لا تتحدث عن الحياة باعتبارها مجرد البقاء، وإنما باعتبارها قدرة على التجدد والانبعاث. الحياة هنا نقيض الجمود. والإرادة نقيض العجز. والفكرة نقيض العبث. والتاريخ ليس متحفاً للماضي، وإنما مجالاً لفعل الإنسان. لكن الدرس الأهم الذي يمكن أن نضيفه اليوم هو أن إرادة الحياة نفسها تحتاج إلى مراجعة دائمة حتى لا تتحول إلى إرادة لتكرار الماضي.

فالأمة الحية ليست التي تتمسك بكل ما فعلته في الماضي، وإنما التي تستطيع أن تعرف ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي يجب أن يتغير، وما الذي يجب أن يولد لأول مرة. وهنا تصبح (إرادة الحياة) أكثر من عنوان لمقال (قديم)، تصبح سؤالاً مفتوحاً: هل تستطيع الفكرة أن تنتج إنساناً جديداً؟ وهل يستطيع الإنسان الجديد أن ينتج مؤسسة جديدة؟ وهل تستطيع المؤسسة أن تنتج مستقبلاً يتجاوز أزمات الماضي؟ هذه هي المسافة بين إحياء الفكرة وإعادة إنتاجها. الأول يعني أن نستعيد جوهرها الحي. والثاني يعني أن نكرر أشكالاً تاريخية ربما لم تعد قادرة على الإجابة عن أسئلة عصر جديد.

ولذلك فإن القراءة الأكثر عمقاً لإرادة الحياة اليوم ليست أن نقول إن ما كتبه القائد المؤسس ميشيل عفلق قبل عقود ما زال صالحاً كما هو، ولا أن نقول إنه أصبح جزءاً من الماضي، وإنما أن نكتشف داخله سؤالاً لا يزال حياً: كيف يتحول الإنسان من موضوع للتاريخ إلى صانع للتاريخ؟

وعندما نصل إلى هذا السؤال، نكتشف أن (إرادة الحياة) ليست نصاً عن الماضي فقط، بل حلقة أساسية في مشروع فكري أوسع؛ يبدأ بالإيمان، ويتقدم عبر البطولة، ويحاول أن يوازن بين المثالية والواقع، ويستمد من التاريخ معنى الاستمرار، ثم ينتهي إلى الإنسان باعتباره الحامل الحقيقي للإرادة وصانع المستقبل. فالبعث، في أعمق دلالاته، لا يبدأ حين تتحرك الجماهير فقط، بل يبدأ قبل ذلك، حين يستعيد الإنسان ثقته بقدرته على أن يكون أكثر من مجرد نتيجة لواقعه.

#البعث #الفكر_العربي #ميشيل_عفلق #إرادة_الحياة #العروبة #الفلسفة_السياسية #التجدد_الفكري #النهضة_العربية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.