بين مخطوطة الدمار وسِفر الوعي

صحيفة الهدف

د. النابغة محمد نجيب

نُكبت بلادنا بهذه الح.رب اللعينة، التي أضحت كل يوم يمر تخط سطراً جديداً في مخطوطة الدمار والق.تل وتفتيت المجتمع، بما اجتمع من آلة عسكرية وخطاب كراه.ية إعلامي.

هذه الح.رب فصل في تاريخ بلادنا يعكس مدى التخلف وسوء إدارة خلافاتنا بين أروقة وداخل مؤسسات الدولة نفسها، ويعكس نزعة غير وطنية. هل كان الخلاف يستدعي رهن الدولة ومؤسساتها للدمار والخراب؟

ورغم الإرهاصات التي سبقت الح.رب من خلال إعلام منسوبي النظام البائد باسم انتفاضة ديسمبر، إلا أن البداية كانت صدمة حقيقية لكل من كان يُفترض أن يتحلى بذرة من الحكمة والوطنية فيمن كان يدير الأزمة. كانت البداية عنواناً للرجوع إلى الخلف، ولتدهور البلاد وتقهقرها في كل النواحي: السياسية والإعلامية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.

غاب الضياء وحل محله أسراب الغربان تنعق بالكراه.ية، وتدفع بشعبنا إلى النزوح شمالاً وشرقاً وغرباً وجنوباً. وأصوات الغربان تنعق بمزيد من سفك الدماء، ومزيد من التشريد والانتهاك. وصار المواطن ومعاناته مادة للمتاجرة الرخيصة في هذه الح.رب اللعينة. ارتوت الأرض بالدماء، وبصرخات وبكاء اليتامى والثكالى، ولم تَرتوِ حناجر الغربان من معاناة شعبنا.

هذه الح.رب نتيجتها محسومة حتى قبل أن تُحطّم المسيّرات أو المدافع المباني والبشر. نتيجتها دمار كبير للوطن وللمواطن، وحصادها انتشار لغة التخلف والرصاص والق.تل بدلاً عن الحوار ولغة الفكر.

يظن واهمون أولئك الغربان أنهم سيؤخرون من أجل فناء فكرهم الظلامي المشؤوم، أو من تطلعات شعبنا في الحرية والسلام والعدالة، وفي الثورة كخيار ثابت للشعب.

الوعي الذي اكتسبه شعبنا لم يكن ثمنه بسيطاً، بل كان باهظاً: من مظاهرات الشوارع، إلى مسارات الساعة الواحدة بتوقيت الثورة، إلى جمهورية الاعتصام، إلى دماء فض الاعتصام والج.رائم في حق العُزّل، إلى أدب الثورة: أزهري وحسن بكري.

الظالمون لن يعودوا، وإن عادوا عدنا لهتافات الشوارع والنشيد، إلى تجربة نقل زخم الثورة داخل مؤسسات الدولة والصراع داخلها، وبحرس الثورة وأيقونتها: لجنة إزالة تمكين نظام 1989.

كل العقبات، وكل الدماء، وكل العرق والدموع، وتفتّح الذهن، هو مسير متصل في ثورة الوعي التي صاحبت انتفاضة ديسمبر المجيدة. مسير متصل بمقاومة انقلاب 2021، وبالشهداء من العُزّل الذين قدموا أرواحهم حماية ووفاءً لتطلعات شعبنا، حتى محطة ح.رب أبريل اللعينة.

كلها كانت سفر مقاومة ووعي مُصرّ على حق الشعب في سلطته المدنية. والح.رب وإن علا فيها صوت الرصاص، لكنها كانت تكتب الوعي وشماً جماعياً لن يزول.

هذه الدروس والدماء والشهداء والانت.هاكات وغربان البين جعلت الصورة أمام شعبنا المعلّم واضحة: بين من يريد المستقبل المشرق لبلادنا، ومن يريد خراب تلك البلاد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.