المولد كما يراه الطفل

صحيفة الهدف

ماجد الغوث

للمولد النبوي الشريف في ذاكرة الطفل السوداني حكاية خاصة لا تشبه حكاية الكبار؛ فبينما يقصد الكبار الميادين للاستماع إلى المديح، وحضور مجالس الذكر، والتبرك بالزيارة، يذهب الطفل إلى فضاء سحري خالص، قوامه الأضواء الملونة، والرايات المرفرفة، وسرادقات الخيام، وضجيج البهجة وأشكال الحلوى.

لا تشغل بال الصغير تفاصيل التاريخ أو أسماء الطرق ورجالاتها، لكنه يدرك بيقين فطري أن ليالي المولد لا تشبه أي ليالٍ أخرى في العام، ومن هنا تتشكل الحكاية.

أولاً: ترقب المولد والعد التنازلي

يستشعر الطفل قدوم المولد قبل حلوله بأسابيع، يلتقط الإشارات من أحاديث الكبار، ويراقب حركة الأسواق ونصب الخيام، وتصل إلى مسامعه نغمات المديح النبوي التي تبدأ في الصعود تدريجياً.

هنا يبدأ إلحاحه المحبب:

«متى نمشي المولد؟»

فيدخل في عدٍّ تنازلي داخلي لا يماثله انتظار مدرسة أو عطلة، بل ترقب لكرنفال متكامل ينتظره من عام إلى عام.

ثانياً: شفرة الفرح حنمشي المولد

تظل عبارة الليلة «حنمشي المولد» بمثابة إعلان رسمي لانطلاق الفرح العارم داخل البيت.

بمجرد أن ينطق بها أحد الوالدين، تتغير وتيرة اليوم فوراً، ويبدأ الطفل في استعجال الوقت، متسائلاً بلهفة لا تهدأ:

«نمشي هسع؟»

ثم يعود ليسأل بعد دقائق:

«هسع نمشي؟»

حتى تحين لحظة الخروج التي تدشن البداية الحقيقية للمغامرة.

ثالثاً: ملابس المولد وبهجة المظهر

ترتبط المناسبات الكبرى في الوجدان السوداني بأناقة خاصة، والمولد فرصة لارتداء أجمل ما في الخزانة، سواء كانت جلابية بيضاء مكوية، أو ثوباً جديداً، أو قميصاً زاهياً.

لم تكن القيمة في ثمن الثياب، بل في ذلك الشعور بالهيبة والاحتفاء، والإحساس الفطري بالذهاب إلى حدث مهيب وجميل.

وكان الطفل يقف أمام المرآة، يتفقد ملابسه وحذاءه، وكأنه يستعد لمناسبة لا يجوز أن يصل إليها إلا في أبهى صورة.

رابعاً: متعة الطريق وصخب الوصول

لم يكن الميدان وحده مصدر البهجة، بل كان الطريق نفسه فصلاً ممتعاً من فصول الرحلة.

الشوارع تعج بالمارة، وحركة المواصلات تكتظ بالعائلات، وأفواج الأطفال تملأ الأرصفة.

ومع كل خطوة تقترب فيها الأسرة من الساحة، تعلو أصوات النوبات وتتهادى المدائح عبر مكبرات الصوت، ليتعاظم في قلب الصغير يقينٌ بأن عالماً مبهراً يفتح له أبوابه على مصراعيها.

كان الطفل لا يعرف بالضبط من أين يأتي ذلك الصوت، لكنه يعرف أنه صوت المولد.

خامساً: الميدان عالم آخر

وما إن يدخل الطفل الميدان حتى يشعر أنه انتقل إلى مكان مختلف تماماً.

خيام كبيرة، رايات ترفرف، أضواء تتلألأ، حلقات للذكر والمديح، رجال بجلابيبهم وعمائمهم، وأسر جاءت من أحياء مختلفة.

كل شيء في عين الطفل يبدو أكبر من حجمه الحقيقي.

الخيمة كبيرة، والميدان واسع، والأصوات عالية، والأضواء أكثر لمعانً، والناس أكثر عدداً.

إنه عالم لا يراه الطفل كل يوم، ولذلك يصبح المولد بالنسبة إليه مدينة مؤقتة للفرح تظهر مرة كل عام.

سادساً: الحلوى ذاكرة لا تنسى

ولعل أكثر ما يترسخ في ذاكرة الطفل هو عالم الحلوى.

ألوان وأشكال وروائح مختلفة، وأصناف تعلق في الذاكرة قبل أن تعلق في اليد.

كان الطفل يتأمل الحلوى المعروضة وكأنها كنوز صغيرة، وينتظر اللحظة التي يقول فيها الأب أو الأم:

«اختار واحدة».

وهنا تبدأ الحيرة!

هذه أجمل… وهذه أكبر… وهذه ألوانها أجمل… وهذه نأخذها لأخونا الصغير.

وقد يعود الطفل إلى البيت وهو يحمل شيئاً من حلوى المولد، لكنه لا يملك الصبر حتى الصباح، فيبدأ في التفاوض مع نفسه ومع إخوته حول من يأخذ ماذا.

ولذلك لم تكن الحلوى مجرد طعام؛ كانت جزءاً من طقوس الفرح وقطعة من ذاكرة الطفولة.

سابعاً: المولد والأصدقاء

في الميدان يلتقي الطفل بأبناء الحي وأصدقائه.

قد تبدأ الحكاية بجملة بسيطة:

«إنت جيت؟»

ثم تبدأ الجولة.

يمشون معاً، يركضون، يتفرجون، يتنافسون في معرفة الأشياء، ويضحكون لأسباب قد تبدو للكبار بسيطة جداً، لكنها بالنسبة إليهم كانت كافية لصناعة ليلة كاملة من السعادة.

وفي كثير من الأحيان كان الطفل لا يريد العودة، لأن أجمل ما في المولد أنه يمنحه مساحة نادرة للانطلاق بعيداً عن البيت والمدرسة وروتين الأيام.

ثامناً: الألعاب والفرجة

كان الطفل يرى في المولد فرصة لا تتكرر.

الألعاب، والزحام، والبائعون، والأضواء، والأصوات المختلفة؛ كلها كانت تقدم له مشهداً متكاملاً.

وقد لا يملك كل الأطفال المال لشراء كل ما يرونه، لكن الفرجة نفسها كانت متعة.

كان الطفل يستطيع أن يقف طويلاً أمام شيء أعجبه، يتأمله، ثم يمضي وهو يحتفظ بصورته في ذاكرته.

وهنا تكمن إحدى أجمل خصائص طفولة ذلك الزمن:

لم يكن الطفل يحتاج إلى امتلاك كل شيء حتى يفرح به.

كان يكفيه أن يراه.

تاسعاً: عايز دي!

ولا تكتمل رحلة المولد من دون هذه الجملة الشهيرة:

«عايز دي!»

ثم يشير الطفل إلى شيء آخر:

«وبرضو دي!»

وهنا تبدأ المفاوضات الأسرية.

الأب يحاول الإقناع، والأم تحاول تهدئة الطفل، والطفل يستخدم كل أسلحته الطفولية المشروعة.

وفي النهاية قد يحصل على شيء واحد، لكنه يعود إلى البيت مقتنعاً بأنه خرج منتصراً من أعظم معركة في حياته.

عاشراً: المولد في عين الطفل ليس مجرد احتفال

مع مرور السنوات يدرك الإنسان أن الطفل الذي كان يركض خلف الأضواء لم يكن يعرف كل المعاني الدينية والاجتماعية والثقافية للمولد.

لكنه كان يعيش شيئاً أعمق بطريقته الخاصة.

كان يتعلم أن هناك مناسبة تجمع الناس، وأن الأسرة تخرج معاً، وأن الجيران يلتقون، وأن الكبار يفرحون، وأن أصوات المديح يمكن أن تجعل الحي كله يبدو مختلفاً.

فالطفل لا يتعلم الثقافة دائماً من الكتب، بل يتعلمها من مشهد يراه، وصوت يسمعه، ويد تمسك بيده، وليلة جميلة يعيشها.

الحادي عشر: لحظة العودة

ولكل فرح نهايته.

بعد ساعات من التجوال، تبدأ علامات التعب على الطفل.

تقل حركته، ويبدأ في التثاؤب، وربما يحمل أحد الوالدين الطفل الصغير على كتفه، بينما يمسك الآخر بيد أخيه، وتبدأ الأسرة رحلة العودة.

لكن الطفل لا يريد أن تنتهي الليلة.

يلتفت إلى الخلف، ينظر إلى الأضواء البعيدة، ويسمع أصوات الميدان التي بدأت تبتعد شيئاً فشيئاً، وكأنه يقول في داخله:

«حنرجع متين؟»

وربما يكون هذا السؤال هو أول خيط في انتظار مولد العام القادم.

الثاني عشر: المولد الذي يبقى في الذاكرة

تمر السنوات، ويكبر الطفل.

تتغير المدن، وتتغير الأسواق، وتتغير وسائل الحياة، وربما تتغير حتى طريقة الاحتفال.

لكن صورة المولد القديمة تبقى في مكان ما داخل الذاكرة:

يبقى صوت النوبة، وتبقى رائحة الحلوى، وتبقى الخيمة الكبيرة، وتبقى يد الأب أو الأم وهي تمسك بيد الطفل وسط الزحام، وتبقى الجلابية الجديدة وضحكة الأصدقاء.

وتبقى تلك الليلة التي كان الطفل يعتقد أنها لا تنتهي.

وحين يكبر، قد يعود إلى المولد برفقة أبنائه، فيكتشف فجأة أنه أصبح واحداً من أولئك الكبار الذين كان يراهم قديماً في الميدان.

وعندها فقط يفهم أن أجمل ما تركه المولد في نفسه لم يكن الحلوى ولا الألعاب وحدها، وإنما ذاكرة الأسرة، ودفء الجماعة، وفرحة الطفولة التي لا تتكرر.

الثالث عشر: حين يصبح الطفل أباً

وهذه ربما أجمل حلقات الحكاية.

فالطفل الذي كان يسأل: «متى نمشي المولد؟» يصبح بعد سنوات هو الأب الذي يسمع السؤال نفسه من ابنه.

يرتدي طفله ملابسه الجديدة، ويمسك بيده، ويسير معه نحو الميدان.

وفجأة يشعر الأب أن الزمن دار دورة كاملة.

يرى في عيني ابنه نفس اللهفة التي كانت في عينيه، ويسمع السؤال ذاته، ويرى الفرح ذاته.

وهنا يدرك أن المولد لم يكن مجرد مناسبة تأتي ثم تنتهي، وإنما كان جزءاً من سلسلة الذاكرة السودانية؛ جيل يسلمها إلى جيل.

الرابع عشر: أجمل ما في المولد عين الطفل

الكبار يرون في المولد المديح والذكر والمجالس والطرق والخيام، أما الطفل فيراه بطريقة مختلفة؛ يراه أضواءً وفرحاً وألواناً وحلوى وأصدقاء وأسرة.

وقد تكون هذه الرؤية البسيطة هي أجمل ما في الحكاية.

فالطفولة لا تحفظ التفاصيل المعقدة، لكنها تحفظ الإحساس.

ولهذا، عندما يكبر الطفل، قد ينسى اسم الخيمة، وينسى اسم البائع، وينسى ماذا اشترى في تلك الليلة، لكنه لا ينسى كيف شعر.

وهذا هو سر بقاء المولد في ذاكرة الطفل السوداني.

إنه ليس مجرد ليلة في التقويم، بل هو ليلة كانت فيها الحياة تبدو أكثر جمالاً، والشارع أكثر دفئاً، والناس أكثر قرباً، والفرح أكثر بساطة.

وفي ذاكرة الطفل… كان المولد عيداً من نوع آخر؛ عيداً لا يُقاس بما اشتراه، وإنما بما عاشه.

#ملف_الهدف_الثقافي #ماجد_الغوث #المولد_النبوي #ذكريات_الطفولة #أم_درمان #السيرة_النبوية #محبة_الرسول

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.