تقرير: مهند بكري
الخرطوم بعد ثلاثة أعوام من الغياب الذي فرضته الحرب على كثير من تفاصيل الحياة اليومية في العاصمة السودانية، عادت زفة المولد النبوي الشريف إلى شوارع الخرطوم وأم درمان، حاملة معها أصوات المدائح ورايات الطرق الصوفية وحلقات الذكر، في مشهد بدا لكثير من السكان أكبر من مجرد احتفال ديني؛ إذ حمل دلالة على عودة تدريجية للحياة العامة إلى مدينة أنهكتها الحرب.
في أم درمان، خرجت الزفة بمشاركة 92 طريقة صوفية، وجابت شوارع المدينة من منطقة القسم الشمالي وصولاً إلى ساحة ميدان الخليفة، وسط مشاركة مشايخ الطرق الصوفية والمريدين والمواطنين.
وتزينت مساجد وخلاوى وساحات في عدد من أحياء العاصمة بالأعلام والرايات والإنارة، فيما ارتفعت أصوات المدائح النبوية، وأقيمت حلقات الذكر وتلاوة القرآن والدعاء، إلى جانب توزيع الأطعمة والمشروبات على المشاركين والمارة.
كان المشهد، بالنسبة إلى سكان عايشوا ثلاث سنوات من الحرب، استعادة لطقس قديم بقدر ما هو احتفاء بمناسبة دينية.
ثلاث سنوات أوقفت الاحتفال
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، انكمشت مساحات الحياة العامة في الخرطوم بصورة واسعة، وتراجعت أو توقفت مناسبات اجتماعية ودينية وثقافية كانت تشكل جزءاً ثابتاً من إيقاع المدينة.
لم تكن زفة المولد بمنأى عن ذلك.
فالمواكب التي كانت تملأ شوارع أم درمان والخرطوم في موسم المولد، وتجمع الطرق الصوفية والمواطنين حول المساجد والخلاوي والساحات، غابت مع اتساع رقعة القتال وتدهور الأوضاع الأمنية ونزوح أعداد كبيرة من السكان.
ومع عودة بعض أحياء العاصمة إلى النشاط تدريجياً، بدأت مظاهر اجتماعية ودينية تظهر من جديد. وجاءت احتفالات المولد هذا العام في مقدمة هذه المشاهد، لتعيد إلى الشوارع أصواتاً وطقوساً غابت عنها طويلاً.
92 طريقة صوفية في أم درمان
في أم درمان، لم تكن المشاركة رمزية.
فقد شاركت 92 طريقة صوفية في الزفة التي انطلقت من القسم الشمالي باتجاه ميدان الخليفة، بينما أقيمت خيام الاحتفال في عدد من المواقع.
وقال المدير التنفيذي لمحلية أم درمان إن المناسبة تحمل رمزية دينية واجتماعية، مشيراً إلى مشاركة الطرق الصوفية وتوفير المحلية الخدمات اللازمة لإنجاح الاحتفالات.
أما مدير الإدارة العامة للشؤون الدينية بولاية الخرطوم، فأكد أن الفعاليات تهدف إلى إحياء ذكرى المولد من خلال تلاوة القرآن والمدائح والذكر والدعاء للسودان بالأمن والاستقرار.
لكن الرسالة التي خرجت من المناسبة تجاوزت الاحتفال نفسه.
فممثل الطرق الصوفية دعا إلى نبذ خطاب الكراهية والجهوية وتعزيز السلم المجتمعي، مؤكداً أهمية استلهام قيم العدل والمساواة والمناصرة.
في مدينة أنهكتها الحرب والانقسام والنزوح، تبدو الدعوة إلى التعايش جزءاً من المشهد بقدر ما هي دعوة دينية.
حين تصبح الزفة علامة على عودة المدينة
في المدن التي تمر بالحروب، لا تقاس عودة الحياة دائماً بعودة المؤسسات الرسمية أو فتح الطرق والأسواق فقط.
أحياناً يكون المؤشر الأكثر وضوحاً هو عودة الناس إلى الشوارع من أجل مناسبة اعتادوا عليها.
وهذا ما تمنحه زفة المولد لهذا العام.
فالموكب الذي يضم مشايخ ومريدين ومواطنين، والخيام التي تنصب في الساحات، والأطعمة التي توزع على المارة، والمدائح التي تعود إلى مكبرات الصوت، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تشير إلى استعادة تدريجية لمساحة اجتماعية كانت الحرب قد أغلقتها.
والاحتفال، بهذا المعنى، لا يستعيد مناسبة دينية فحسب، وإنما يستعيد جزءاً من الذاكرة الجماعية للخرطوم وأم درمان.
المولد.. طقس ديني وذاكرة اجتماعية
يحتل المولد النبوي الشريف مكانة خاصة في الحياة الاجتماعية السودانية، ولا يقتصر حضوره على المساجد والخلاوي.
فعلى مدى عقود، تحولت المناسبة إلى موسم تلتقي فيه الأسر والمجتمعات المحلية، وتخرج فيه الطرق الصوفية في مواكب، وتقام حلقات الذكر والمدائح، وتنتشر الخيام في الساحات، فيما يتقاسم المشاركون والمارة الطعام والشراب.
وفي الخرطوم وأم درمان، ارتبطت الزفات بالذاكرة الحضرية للمدينتين. كانت المواكب تتحرك عبر الشوارع وتتوقف عند المساجد والخلاوي، في مشهد يتكرر عاماً بعد عام حتى أصبح جزءاً من صورة المدينة عن نفسها.
لذلك فإن عودة الزفة بعد ثلاثة أعوام لا تعني فقط استئناف احتفال توقف بسبب الحرب، بل عودة واحدة من العلامات التي كانت تميز الحياة الاجتماعية في العاصمة.
فرحة لا تخلو من الحرب
ورغم مظاهر الفرح، لم تختفِ الحرب من ذاكرة المشاركين.
ثلاثة أعوام من القتال تركت آثاراً عميقة على الأسر والمجتمعات، وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح، وغيّرت تفاصيل الحياة اليومية في العاصمة ومدن أخرى.
لهذا بدت الاحتفالات محملة بمشاعر متناقضة: فرح بعودة تقليد قديم، وحنين إلى سنوات ما قبل الحرب، وقلق من مستقبل لا يزال غير محسوم بالكامل.
وبينما كان المشاركون يرددون المدائح ويحيون المناسبة، كان كثيرون يستعيدون في ذاكرتهم شوارع أخرى، وأحياء تغيرت ملامحها، وأصدقاء وأقارب تفرقت بهم الحرب.
الكهرباء والخدمات.. تفاصيل لا تغيب
حتى الاحتفال نفسه كشف عن حجم التحديات التي تواجه عودة الحياة الطبيعية.
فقد دعا والي الخرطوم إلى استمرار التيار الكهربائي في ميادين الاحتفالات، بما يساعد على إنجاح الفعاليات.
الدعوة تبدو بسيطة، لكنها تعكس واقعاً أوسع؛ إذ إن استعادة المناسبات العامة تحتاج إلى أكثر من تجمع الناس. إنها تحتاج إلى خدمات وأمن وطرق ومرافق عامة قادرة على استيعاب النشاط الاجتماعي مجدداً.
من الاحتفال إلى استعادة المجتمع
في السنوات الثلاث الماضية، لم يخسر السودانيون منازلهم ومصادر رزقهم فقط، بل فقدوا أيضاً كثيراً من المساحات التي كانت تجمعهم.
توقفت مناسبات، أغلقت أماكن عامة، تفرقت أسر، وغابت طقوس اجتماعية ودينية كانت تتكرر سنوياً.
ومن هنا تكتسب عودة المولد معنى إضافياً.
فالممناسبة توفر مساحة للقاء بعد سنوات من التباعد، وتعيد إلى الشوارع شيئاً من وظائفها الاجتماعية، وتمنح السكان فرصة للوجود معاً خارج سياق الحرب والخوف والنزوح.
ورغم أن احتفالاً واحداً لا يمكن أن يكون دليلاً على انتهاء الحرب أو عودة الاستقرار الكامل، فإن المشهد يحمل مؤشراً واضحاً على رغبة المجتمع في استعادة حياته.
الخرطوم تتذكر نفسها
في أم درمان، حيث تحركت الزفة بمشاركة عشرات الطرق الصوفية، لم تكن الرايات وحدها هي التي عادت إلى الشوارع.
عادت معها صورة قديمة للمدينة: مواكب تتحرك في الطرقات، مشايخ ومريدون يتجمعون، أطفال يتابعون المشهد، أسر تتبادل التهاني، وخيام تفتح أبوابها للمشاركين والمارة.
إنها صورة ظلت معلقة في ذاكرة الخرطوم خلال سنوات الحرب.
واليوم، تستعيد العاصمة جزءاً منها.
قد لا تعني عودة زفة المولد أن الخرطوم تجاوزت الحرب، لكنها تقول شيئاً آخر أكثر بساطة وإنسانية: أن سكانها يريدون استعادة حقهم في الحياة العادية، وفي الاحتفال، وفي اللقاء، وفي ممارسة تقاليدهم التي قطعتها الحرب.
وهكذا عادت زفة المولد إلى شوارع الخرطوم بعد ثلاثة أعوام من الغياب، لا بوصفها احتفالاً دينياً فقط، وإنما كعلامة اجتماعية على مدينة تحاول أن تستعيد إيقاعها القديم، خطوة بعد أخرى، بينما لا تزال آثار الحرب حاضرة في كل تفاصيل المشهد.
#ملف_الهدف_الثقافي #الخرطوم #أم_درمان #مهند_بكري #المولد_النبوي #الطرق_الصوفية #السيرة_النبوية #محبة_الرسول

Leave a Reply