الإسلام تجربة واستعداد دائم عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق: قراءة في (ذكرى الرسول العربي) من الإنسان إلى صناعة التاريخ

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

في ذكرى الرسول العربي 4

هناك نصوص فكرية لا تكمن أهميتها في موضوعها المباشر فحسب، وإنما في قدرتها على الكشف عن البنية العميقة التي تحكم رؤية صاحبها للإنسان والتاريخ. ويأتي محاضرة (ذكرى الرسول العربي)، للأستاذ أحمد ميشيل عفلق في مقدمة هذه النصوص، لأنه لا يتعامل مع ذكرى الرسول محمد (ﷺ)، بوصفها مناسبة تاريخية تستدعي المدح أو التذكر، وإنما يحاول أن يطرح من خلالها سؤالاً أكثر عمقاً: ما الذي جعل التجربة الإسلامية الأولى قادرة على إطلاق الطاقات الكامنة في الإنسان العربي، وكيف يمكن أن تتحول هذه التجربة من حدث تاريخي إلى استعداد متجدد؟
والنص الذي نقف عنده هنا ليس مقالاً عابراً عن المولد، بل محاضرة ألقاها الأستاذ أحمد ميشيل عفلق في مدرج جامعة دمشق في الخامس من نيسان/أبريل 1943، وجعل عنوانها (ذكرى الرسول العربي). ومنذ بدايتها يكشف النص عن مقصده: أن يستدعي حياة الرسول (ﷺ)، لا لكي تبقى موضوعاً للإعجاب، وإنما لكي تصبح معياراً لقياس حيوية الإنسان العربي وقدرته على تحويل القول إلى عمل.
فالمشكلة، في نظر الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، ليست في نقص الكلام عن الماضي، وإنما في انفصال الكلام عن الشخصية والعمل. وفي افتتاح المحاضرة ينتقد كثرة الكلام حين تصبح بديلاً عن الفعل، ويميز بين الكلام الذي يصدر عن (شخصية حية)، والكلام المنفصل عن صاحبه. ويعود إلى تجربة العرب مع الكلمة ليقول إن اللفظة عندهم كانت بمثابة تعهد يربط القول بالحياة. وهذه البداية ليست بعيدة عن موضوع الرسول العربي (ﷺ) كما يبدو لأول وهلة، فهي تضع القارئ أمام معيار أساسي سيحكم النص كله: قيمة الفكرة تقاس بقدرتها على أن تتحول إلى حياة.
الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يضع الكلام في مواجهة الصمت، وإنما يضع الكلام الصادق في مواجهة الكلام الذي لم يعد وراءه فعل. فاللفظة عنده ليست صوتاً، وإنما التزام، وحين تنفصل عن الشخصية والعمل تتحول إلى علامة على أزمة الإنسان نفسه. فالمشكلة ليست أن نعرف ماذا قال الأجداد، وإنما أن يصبح ما نقوله نحن مرتبطاً بما نستطيع فعله. وهنا تبرز إحدى أهم أفكار النص: الأزمة تبدأ عندما تنفصل الشخصية عن رسالتها، والفكر عن العمل، والقول عن الفعل.
يصف الأستاذ أحمد ميشيل عفلق الواقع العربي المعاصر في النص بأنه حالة من الانقسام والتجزؤ، فالشخصية العربية، في نظره، فقدت ذلك التكامل الذي كان يجعل الروح والفكر والعمل والأخلاق العامة والخاصة أجزاءً من شخصية واحدة. وهذه الفكرة شديدة الأهمية لفهم مشروعه كله. فالإنسان عنده ليس عقلاً منفصلاً عن الروح، ولا عاطفة منفصلة عن الفعل، ولا خطاباً سياسياً منفصلاً عن السلوك. وإنما هو كل متكامل.
ومن هنا تأتي عبارته اللافتة في النص عن ضرورة أن تتحد (الصلاة) مع (العقل النير)، ومع (الساعد المفتول)، لتؤدي جميعاً إلى العمل. إنها تكشف عن مفهوم أساسي عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، بأن النهضة لا يصنعها عنصر واحد. لا يكفي الإيمان وحده إذا لم يتحول إلى عمل. ولا يكفي العقل إذا ظل عاجزاً عن المبادرة. ولا تكفي القوة إذا لم تكن مرتبطة بالغاية. ولا يكفي التراث إذا تحول إلى ذاكرة منفصلة عن الحاضر. ومن هنا يصبح الإنسان المتكامل هو نقطة البداية.
تنتقل المحاضرة بعد ذلك إلى فكرتها المركزية، وهي أن حركة الإسلام المتمثلة في حياة الرسول الكريم (ﷺ)، ليست بالنسبة إلى العرب مجرد حادثة تاريخية يمكن تفسيرها بزمانها ومكانها وأسبابها ونتائجها. حيث يذهب الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، إلى أبعد من ذلك، فهو يرى أن التجربة الإسلامية تمثل، في قراءته، صورة عميقة لطبيعة النفس العربية وإمكاناتها واتجاهاتها، ولذلك يعتبرها قابلة للتجدد في روحها، لا في شكلها وحروفها. وهنا ينبغي التوقف طويلاً عند هذه العبارة، لأنها مفتاح النص كله. فالأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يدعو، في هذه الصياغة، إلى إعادة إنتاج التاريخ الإسلامي الأول بأشكاله السياسية والاجتماعية كما كانت. وإنما يبحث عن الروح التي أنتجت ذلك التاريخ. وهذا فارق جوهري بين استعادة الشكل واستعادة الطاقة. فاستعادة الشكل تعني محاولة نقل الماضي كما هو إلى الحاضر. أما استعادة الروح فتعني البحث عن القوة الداخلية التي جعلت الإنسان قادراً على تجاوز واقعه.
ومن هنا يمكن فهم عبارته عن الإسلام بوصفه (الهزة الحيوية)، التي تحرك القوى الكامنة في الأمة، وتدفعها إلى تجاوز التقليد والقيود الجامدة. هذه ليست قراءة تاريخية محايدة للإسلام بطبيعة الحال، إنها قراءة ثورية قومية خاصة، ينبغي أن تفهم داخل مشروعه الفكري، لا أن تقدم بوصفها التفسير الوحيد للإسلام.
ومن الضروري هنا أن نميز بين الإسلام كما هو في مصادره العقدية والتشريعية، وبين الإسلام كما أعاد الأستاذ أحمد ميشيل عفلق قراءته داخل مشروعه القومي والتاريخي. فالنص لا يقدم تفسيراً عقدياً للإسلام، وإنما يقدم قراءة فكرية قومية ترى في التجربة الإسلامية لحظة تأسيسية في تكوين الأمة العربية. ولذلك فإن قيمة النص بالنسبة إلى هذه الدراسة ليست في اعتماده مرجعاً لتفسير الإسلام، وإنما في كونه وثيقة كاشفة عن الطريقة التي أعاد بها مفكر قومي عربي قراءة الإسلام والتاريخ العربي. لكن قيمتها الفكرية في سياق هذه القراءة أنها تكشف بوضوح عن مفهوم التجدد من الداخل: (قبل أن يفتحوا الأرض فتحوا أنفسهم).
ومن هنا تتضح الصلة بين (ذكرى الرسول العربي)، وكل من التالي: ففي (الإيمان) كان السؤال عن القوة الداخلية التي تمنح الإنسان القدرة على العمل، وفي (عهد البطولة) عن تحويل هذه القوة إلى شجاعة وموقف، كما تظهر البطولة باعتبارها قدرة على مواجهة الواقع وتحويل الإرادة إلى فعل. وفي (المثالية الواقعية) عن الجمع بين المثال وفهم شروط الواقع، وفي (المستقبل) عن تحويل الغد من زمن منتظر إلى مستوى يبدأ بناؤه في الحاضر، أما في (خبرة الشيوخ واندفاعات الشباب) فتظهر ضرورة تفاعل الخبرة المتراكمة مع الطاقة المتجددة. وفي (ذكرى الرسول العربي)، فتجتمع هذه الخيوط كلها في تجربة الرسول (ﷺ): إيمان يتحول إلى إرادة، وإرادة تتحول إلى سلوك، وسلوك يتحول إلى جماعة، والجماعة تتحول إلى فعل تاريخي.
وفي قراءة الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، تصبح الفتوحات والعلوم والفنون والعمران نتائج مادية لاحقة لتجربة داخلية سبقتها، فهو يقول إن ما أثمره الإسلام لاحقاً كان (في حالة البذور)، خلال السنوات الأولى من البعثة، وإن العرب قبل أن يفتحوا الأرض فتحوا أنفسهم وملكوا إرادتهم.
الإسلام تجربة واستعداد دائم، هذه هي الفكرة التي تمنح النص عنوانه الفكري الحقيقي. في قراءة الأستاذ أحمد ميشيل عفلق للإسلام ليس مجرد حادثة انتهت بانتهاء جيلها الأول، وإنما تجربة قابلة للتجدد في الأمة كلما سيطرت المادة على الروح، أو المظهر على الجوهر، أو التفرق على الوحدة. واللافت أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يستخدم مفهوم التجدد هنا بمعنى إعادة إنتاج التاريخ، بل يحدد التجدد تحديداً واضحاً: (في روحها، لا في شكلها وحروفها). وهذه العبارة تمنح القراءة المعاصرة للنص مفتاحاً بالغ الأهمية، فالتجربة التاريخية لا تُستعاد بأشكالها الخارجية، وإنما بما تختزنه من قدرة على تحريك الإنسان وتجاوز الجمود. ولذلك فإن الاستعداد الدائم الذي يتحدث عنه الأستاذ عفلق ليس انتظاراً لعودة الماضي، وإنما استعداداً لتجدد الفعل كلما واجهت الأمة حالة من الجمود أو غلبة المادة على الروح أو المظهر على الجوهر.
وهنا يتحدث عن إمكانية تكرار (ملحمة الإسلام البطولية)، في صور جديدة، مع اختلاف الظروف والأشكال. وهذه النقطة بالذات مهمة جداً في القراءة المعاصرة. فليس المطلوب أن تتكرر الهجرة بالصورة التاريخية نفسها، ولا أن تتكرر ظروف مكة والمدينة، ولا أن تستنسخ مؤسسات القرن الأول. المطلوب، وفق منطق النص، أن يتكرر فعل التجاوز: واقع يفرض الجمود → إنسان يكتشف إمكاناته → إرادة تتشكل → قيم تتحول إلى عمل → جماعة تعيد تنظيم نفسها → تاريخ جديد يبدأ. وهذا هو معنى (الاستعداد الدائم).
فعبارة (قبل أن يحكموا الأمم حكموا ذواتهم)، تكشف عن رؤية أخلاقية عميقة في النص. فالتاريخ، في تصور الأستاذ عفلق، لا يبدأ من السيطرة على الآخرين، وإنما من السيطرة على الذات. وهنا تصبح الإرادة شرطاً للحرية. والحرية شرطاً للفعل. والفعل شرطاً لصناعة التاريخ. ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة فكرة (البطولة): فهي ليست مجرد شجاعة في لحظة مواجهة، وإنما هي امتلاك الإنسان لإرادته وقدرته على تجاوز ضعفه الداخلي. وبذلك يصبح الإنسان هو نقطة الالتقاء بين الإيمان، والبطولة، والنهضة.
ومن أكثر مقاطع النص قوةً حديث الأستاذ أحمد ميشيل عفلق عن الطريقة التي يقرأ بها العرب حياة الرسول (ﷺ). فهو ينتقد النظر إلى حياة الرسول (ﷺ)، من الخارج، بوصفها صورة رائعة للإعجاب والتقديس، ويدعو بدلاً من ذلك إلى النظر إليها من الداخل، أي إلى محاولة عيش القيم التي جعلت التجربة ممكنة. وهذه الفكرة تستحق أن تكون من أهم محاور القراءة المعاصرة للنص. لأن هناك فرقاً بين أن تعجب بالبطل وأن تتعلم منه. وبين أن تمجد التضحية وأن تصبح قادراً على التضحية. وبين أن تتحدث عن البطولة وأن تمتلك شيئاً من شجاعتها.
ولهذا يذهب الأستاذ عفلق إلى معنى شديد الجرأة حين يقول إن التقدير الحقيقي للبطولة يصدر عن المشاركة فيها، وإن الإنسان لا يقدر البطل حق قدره إلا إذا حقق شيئاً من البطولة في حياته. وهذا يحول ذكرى الرسول (ﷺ)، من مناسبة للإعجاب إلى امتحان للذات. وهنا يصبح السؤال: ليس فقط: ماذا فعل الرسول؟ بل: ماذا نفعل نحن بالقيم التي جعلت ذلك الفعل ممكناً؟
هنا يصل النص إلى أكثر عباراته شهرة، وهي: كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً. ومن الضروري، إذا أردنا الدقة، ألا نقتطع العبارة من سياقها أو نحملها معنى دينياً لا يقوله النص. الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يستخدمها داخل تصوره القومي العربي للرسالة الإسلامية، ويريد من خلالها أن يقول إن حياة الرسول (ﷺ)، أصبحت في لحظة تاريخية معينة خلاصةً لطاقة الأمة، وأن المطلوب في الحاضر أن تتحول حياة الأمة الجديدة إلى امتداد للقيم والطاقة التي جسدها الرسول (ﷺ).
ولذلك لا ينبغي تفسيرها بأنها دعوة إلى تقليد شخص الرسول (ﷺ)، أو استنساخ القرن الأول الهجري. الأدق، في سياق النص، أنها دعوة إلى تحويل النموذج التاريخي إلى فعل جماعي جديد. فالماضي لا يعود. لكن القدرة على صناعة التاريخ يمكن أن تتجدد. وهنا تظهر مرة أخرى المسافة بين التقديس والاستلهام: التقديس يحفظ صورة الماضي. أما الاستلهام فيبحث عن القوة التي صنعت الماضي.
ينتقل النص بعد ذلك إلى قضية العلاقة بين الإسلام والعروبة، وهي من أكثر القضايا حساسية في فكر الأستاذ أحمد ميشيل عفلق.. ويعبّر عن ذلك بعبارة ذات دلالة: الإسلام في واقعه عربي، وفي مراميه المثالية إنساني. غير أن هذه العلاقة عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق ليست مجرد صيغة توافقية بسيطة بين الإسلام والعروبة، إنها جزء من تصوره القومي الخاص للإسلام. فهو يرى أن الإسلام في واقعه التاريخي عربي، وفي مراميه المثالية إنساني، ويعتبره تعبيراً عن يقظة العروبة وتكاملها. ومن ثم فإن قراءة هذه الفكرة اليوم تقتضي التمييز بين وصف موقفه التاريخي وبين تبنيه معياراً نهائياً للعلاقة بين الدين والقومية. وهذه صياغة تنتمي إلى البناء الفكري القومي عند الأستاذ عفلق، ولا ينبغي نقلها من سياقها التاريخي إلى تعريف جامع مانع للإسلام أو للعلاقة بين الدين والقومية.
وهو يربط بين الإسلام واللغة العربية والتاريخ العربي والشخصية العربية، ثم يؤكد في الوقت نفسه على البعد الإنساني العام للإسلام. لكن النص لا يقف عند هذه الثنائية، بل يذهب إلى قضية شديدة الحساسية حين يتحدث عن علاقة المسيحيين العرب بالإسلام بوصفه جزءاً من الثقافة القومية العربية. وهذه نقطة ينبغي في القراءة المعاصرة أن تُعرض بوصفها موقفاً فكرياً تاريخياً للأستاذ ميشيل عفلق، لا باعتبارها نتيجة لازمة اليوم. فالواقع العربي الحديث أكثر تنوعاً وتعقيداً، ومفهوم المواطنة الحديثة يتطلب احترام التعدد الديني والمذهبي والسياسي. ومن هنا يمكن أن تكون القيمة المعاصرة للنص في طرح سؤال مفتوح: كيف يمكن للتراث الإسلامي أن يكون جزءاً من الذاكرة الحضارية العربية المشتركة دون أن يتحول إلى أداة لإقصاء المختلف؟
ومن الأفكار اللافتة في النص قوله إن الإسلام (كائن حي متميز)، وإن عموميته لا تعني أنه يتسع في كل لحظة لكل المعاني والاتجاهات، بل إنه في كل مرحلة تاريخية حاسمة يفصح عن أحد المعاني الكامنة فيه. هذه الفكرة تعني، أن خلود الرسالة لا يعني جمود شكل التعبير عنها. وهذه نقطة يمكن الإفادة منها كثيراً في القراءة المعاصرة. فالاستلهام الحقيقي لا يعني أن نضع الماضي والحاضر في قالب واحد. إنما يعني أن نبحث عن القيم الأساسية، ثم نسأل كيف يمكن أن تتجسد في شروط العصر. فالعدل قيمة، لكن مؤسسات تحقيق العدل تتطور. والعلم قيمة، لكن أدوات المعرفة تتغير. والكرامة قيمة، لكن أنظمة حماية الحقوق تتطور. والعمل قيمة، لكن الاقتصاد والتكنولوجيا وأساليب الإنتاج تتغير. وبذلك يصبح التجدد حفاظاً على الجوهر لا عبثاً به.
ومن أكثر أفكار النص أهميةً للحاضر حديث الأستاذ أحمد ميشيل عفلق عن الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فهو ينتقد الاعتقاد بأن إدخال مجموعة من الإصلاحات يكفي وحده لإحياء الأمة، ويرى أن الإصلاحات يجب أن تخرج من أصل أعمق، ويحدد هذا الأصل في إيمان الأمة برسالتها وإيمان أبنائها بها.
فالإيمان وحده، في الدولة الحديثة، لا يغني عن المعرفة والمؤسسات والقانون والسياسات العامة. وبالتالي يمكن تطوير فكرة الأستاذ ميشيل عفلق دون تحريفها: الإصلاح المؤسسي يحتاج إلى إنسان يؤمن بقيمته، والإنسان يحتاج إلى مؤسسات تحول إيمانه بالقيم إلى ممارسة قابلة للاستمرار.
وهنا نخرج من الثنائية الزائفة بين الإنسان والمؤسسة. فالنهضة تحتاج إليهما معاً. من الرسول (ﷺ) إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى التاريخ. إذا جمعنا خيوط النص كلها، فإننا نجد أنه يتحرك في دائرة فكرية واضحة: الرسالة → الإنسان → الإرادة → الجماعة → الفعل → التاريخ. وهذه ربما تكون أهم نتيجة يمكن استخلاصها من القراءة.
فالرسول (ﷺ)، ليس مجرد موضوع تاريخي. والإسلام ليس مجرد حادثة من الماضي. والعروبة ليست مجرد شعار لغوي. والنهضة ليست مجرد مشاريع مادية. كلها تتصل بسؤال واحد هو: كيف يستطيع الإنسان أن يستعيد قدرته على الفعل؟ وهذا يعيدنا إلى القضية التي بدأ بها النص: الكلام. فالكلام إذا انفصل عن الشخصية أصبح فراغاً. والفكرة إذا انفصلت عن العمل أصبحت ترفاً. والإيمان إذا انفصل عن المسؤولية أصبح حالة وجدانية. والتاريخ إذا انفصل عن الحاضر أصبح متحفاً.
ولا تكتمل قراءة (ذكرى الرسول العربي)، من دون الوقوف عند موقف الأستاذ أحمد ميشيل عفلق من علاقة النهضة العربية بالغرب. فهو ينتقد أن تتحول النهضة إلى محاولة لإثبات أن العرب لا يختلفون عن الغرب إلا في درجة التقدم، ويرى أن المشكلة الأعمق تكمن في عجز العقل العربي عن الإبداع حين يتحول إلى قوالب فارغة تستقبل مفاهيم الآخرين. ولذلك فإن النهضة، في منطقه، لا تعني رفض الغرب ولا الانغلاق عنه، وإنما امتلاك القدرة على إنتاج المعنى من داخل الشخصية العربية ثم التفاعل مع العالم من موقع الفاعل لا المستهلك.
أما حين تتصل هذه العناصر ببعضها، تتحول الكلمة إلى التزام، والإيمان إلى فعل، والخبرة إلى قدرة، والذاكرة إلى مشروع. فماذا يقول النص لنا اليوم؟، هنا تكمن أهمية قراءة (ذكرى الرسول العربي)، اليوم. فنحن نعيش زمناً تتوافر فيه المعلومات بصورة غير مسبوقة، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الوعي. ولدينا إمكانات اقتصادية وتقنية هائلة، لكن امتلاك الأدوات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاجها. ولذلك فإن السؤال الذي يفرضه النص على حاضرنا لا يتعلق بكمية ما نعرفه عن الماضي، وإنما بقدرتنا على تحويل هذه المعرفة إلى قوة أخلاقية وفكرية ومؤسسية في الحاضر. فالأمم لا تستعيد حيويتها بمجرد استحضار أمجادها، وإنما حين تجعل الذاكرة مصدراً للفعل، والتاريخ مصدراً للوعي، والقيم مصدراً لبناء المؤسسات.
ولا يكون الاحتفال الحقيقي بالرسول (ﷺ)، في كثرة الحديث عنه فقط، وإنما في أن تصبح قيم الصدق والرحمة والعدل والمسؤولية والعمل جزءاً من حياتنا.
ولعل المفهوم الذي يجمع النص كله هو مفهوم (الاستعداد). فالذاكرة وحدها تحفظ ما كان، أما الاستعداد فيحوّل ما كان إلى قدرة على ما سيكون. ولهذا فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يريد من تجربة الرسول (ﷺ)، أن تبقى في الذاكرة بوصفها زمناً ذهبياً، بل يريدها أن تتحول إلى استعداد دائم داخل الأمة: استعداد للإيمان حين تضعف الروح، وللعمل حين يكثر الكلام، وللوحدة حين يتغلب التمزق، وللبطولة حين يستولي الخوف، وللتجدد حين يفرض الواقع منطقه الجامد. وهنا تصبح التجربة التاريخية حاضرة لا لأنها تتكرر، وإنما لأن قدرتها على توليد الفعل لم تنته.
الخلاصة: وهكذا لا ينتهي (ذكرى الرسول العربي)، عند سؤال الماضي، بل يبدأ منه سؤال الحاضر. ففي قراءة الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، لم تكن التجربة الإسلامية الأولى مجرد واقعة اكتملت ثم انتهت، وإنما كانت كشفاً عن قدرة الإنسان على تجاوز واقعه حين تتكامل فيه الفكرة والإيمان والإرادة والعمل. ولهذا كان الإسلام، في عبارته، (تجربة واستعداداً دائماً)، متجدداً في روحه لا في أشكاله.
ومن هنا تلتقي (ذكرى الرسول العربي) مع مشروع الأستاذ أحمد ميشيل عفلق: الإيمان طاقة، والبطولة إرادة، والمثالية الواقعية منهج، والمستقبل فعل يبدأ في الحاضر، وتفاعل الأجيال شرط لاستمرار الحيوية. أما هذا النص، فيضع هذه العناصر كلها أمام تجربة تاريخية كبرى، ويعيد طرح السؤال الذي يختصر المشروع كله: هل نستطيع أن نحول ما نعرفه إلى ما نفعله؟ فالرسول (ﷺ) لا يحتاج إلى ذاكرة تحفظ سيرته بقدر ما تحتاج الأمة إلى حياة تجعل القيم التي جسدها حاضرة في سلوكها. والسيرة لا تصبح قوة حين نعيد روايتها فقط، وإنما حين تعيد هي تشكيل الإنسان فينا. وعندها لا يعود الماضي زمناً مضى، ولا المستقبل زمناً ننتظره، بل يصبح الحاضر هو اللحظة التي تتفاعل فيها الذاكرة مع الإرادة، والخبرة مع الفعل، والقيمة مع العمل، فتستعيد الأمة قدرتها على أن تصنع تاريخها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.