انتخابات الكيان الصـ.ـهيوني الغـ.ـاصب بين التحولات الداخلية واقتراب حتمية السقوط (الجزء الثامن والأخير)

صحيفة الهدف

بقلم: ماجد الغوث

تكشف القراءة التاريخية لمسار الانتخابات داخل الكيان الصـ.ـهيوني الغـ.ـاصب منذ عام 1977، أن الحياة السياسية المصطنعة شهدت تحولات عميقة أعادت تشكيل موازين القوى الحزبية، وأثرت في طبيعة الحكومات الإئتلافية الفاشية، وفي أولويات الخطاب السياسي العـ.ـدواني؛ فمنذ ما عُرف بـ”الانقلاب السياسي” (المهاباخ) الذي حمل حزب الليكود المتـ.ـطرف إلى السلطة، اتجه النظام السياسي نحو هيمنة مطلقة لتيارات اليمين الفاشي، مع تزايد التأثير الخطير للأحزاب الدينية والقومية المتطرفة في تشكيل الحكومات وصنع القرار التخريبي.

وخلال ما يقرب من خمسة عقود، ظل الأمن الدموي وقـ.ـمع المقاومة أحد أكثر القضايا حضوراً في الحملات الانتخابية، إلا أن طريقة توظيفه اختلفت باختلاف السياقات التاريخية والتطورات الميدانية. فقد تأثرت الانتخابات بالصدمات التي تلقتها دولة الاحتلال، بدءاً من حـ.ـرب أكتوبر 1973، مروراً بالانتفاضات الفلـ.ـسطينية المباركة، واتفاق أوسلو المزعوم، والحـ.ـروب العـ.ـدوانية المتكررة على غـ.ـزة، وصولاً إلى الزلزال الاستراتيجي الذي خلفته طـ.ـوفان الأقـ.ـصى وما أعقبها من أحداث جسام منذ السابع من أكتوبر 2023. كما تأثرت هذه المحطات بعوامل داخلية بنيوية، مثل طبيعة النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي، والتحالفات الحزبية القائمة على الابتزاز، والانقسامات الاجتماعية الحادة، والخلافات العميقة حول دور القضاء والعلاقة بين الدين والدولة.

وتبين الدراسة كذلك أن النظام الانتخابي أسهم في تكريس ظاهرة الحكومات الائتلافية الهشة، وهو ما منح الأحزاب الصغيرة والمتطرفة، قدرة فائقة على التأثير في توجيه دفة الحكم نحو مزيد من التطرف وإشعال الصراعات، الأمر الذي أدى مراراً وتكراراً إلى تعقيد عملية صنع القرار، وتكرار الأزمات السياسية والانتخابات المبكرة، مثلما تجلى بوضوح في الأزمة غير المسبوقة بين الأعوام 2019 و2022.

كما أظهرت الدراسة أن العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية ظلت وثيقة على امتداد العقود الماضية، وأن الخلفية الإرهـ.ـابية والعسكرية بقيت عنصراً مفضلاً في الحياة السياسية للكيان، سواء من خلال انتقال كبار الجنرالات إلى العمل الحزبي لتبني سياسات أكثر دموية، أو من خلال اتخاذ الملف الأمني معياراً أوحد لتقييم أداء الحكومات والمرشحين.

وفي الوقت نفسه، شهد المجتمع الاستيطاني تحولات ديموغرافية وفكرية وسياسية متسارعة انعكست على الخريطة الحزبية، وأسهمت في تراجع نفوذ بعض الأحزاب التقليدية لصالح صعود قوى استيطانية جديدة ازدادت شراسة وتمسكاً بمشروع التـ.ـطهير العـ.ـرقي، إلى جانب بروز قضايا تتعلق بالهوية، والانقسامات الدستورية، وأزمة الثقة بالمؤسسات.

أما على المستوى الإقليمي، فقد فرضت المتغيرات التي شهدها الشرق الأوسط منذ عام 2020 واقعاً معقداً ومأزقاً استراتيجياً لصناع القرار في الكيان. ولقد فشلت محاولات تطويع الإقليم عبر اتفاقيات التطبيع الخياني في توفير الأمن الحقيقي للكيان أو طمس القضية الفلـ.ـسطينية، لتأتي حـ.ـرب الإبادة في غـ.ـزة والضغط الميداني والعزلة الدولية لتثبت أن أمن الاحتلال ما هو إلا سراب زال تحت ضربات المقاومة الباسلة.

ومن خلال تتبع هذه المسيرة الممتدة من عام 1977 وحتى عام 2026، يتضح بجلاء أن الانتخابات لم تكن بمعزل عن جذوة الصـ.ـراع الفلـ.ـسطيني، بل ظلت مرآةً لعجز الكيان عن حسم معركته الوجودية. وفي المقابل، يظل الشعب الفلـ.ـسطيني وقضيته العادلة هو البوصلة الحقيقية التي تحدد مآلات المنطقة برمتها، وكل تحليل يتجاهل هذه الحقيقة يظل قاصراً ومبتوراً.

وتخلص هذه الدراسة إلى أن مسار الكيان الصـ.ـهيوني الغاصب منذ تحولات عام 1977 وحتى عام 2026، يعكس حالة من التخبط والانقسام البنيوي المتفاقم، وأن بقاء هذا الكيان المصطنع بات رهناً بمزيد من القـ.ـمع والعـ.ـنف الذي لا ينهي أزماته بل يعجل بسقوطه الحتمي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المشهد السياسي داخل الكيان سيظل محكوماً بالتصدع والتراجع، وسط أزمات داخلية خانقة ومقاومة لا تهب للضعف هواناً، لتظل فلسـ.ـطين حرة عربية من نهرها إلى بحرها، ولتبقى قوى التحرر كاشفةً للأقنعة عن زيف هذا الكيان المؤقت.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.