الركض خارج الصورة

صحيفة الهدف

د. أشرف مبارك

كان أكرم يعرف أن هذا اليوم ليس يوماً عادياً؛ فالمدرسة كلها تتحرك كأنها تستعد لالتقاط صورة كبيرة، صورة يريدها الرئيس القائد ليعلقها في مكان ما، صورة يقول فيها: “هؤلاء أولادي”.

لكن أكرم لم يكن يريد أن يكون في الصورة.

اختاروه رغماً عنه، ووقف بينهم وهو يشعر أن الأرض تحت قدميه ليست أرض المدرسة، بل أرض ذلك اليوم القديم حين وقف العسكري بينه وبين أبيه. كان الرئيس بعيداً، لكنه حاضر في كل شيء: في السوط، في النشيد، في الكبش الحنيذ الذي لم يذوقوا منه غير الفتة، وفي الزي الأخضر للطلائع.

وكان إسماعيل يمشي خلفهم، كما لو أن المهمة أكبر من الأطفال. لم تكن القسوة عنده طبعاً بل وظيفة، جزءاً من النظام الذي لا يجوز أن يتعطّل.

حين اقتربوا من الحدائق، شعر أكرم أن الهواء يتغيّر، كأن المدينة نفسها تهمس له: “إن كنت ستفعلها، فافعلها الآن”.

تأخّر خطوة… ثم أخرى… ثم ثالثة.

كان ينتظر أن يسمع صوت الأستاذ إسماعيل يصرخ: “أكرم! ارجع!”

لكن الصوت لم يأتِ.

وحين اكتشف أن المؤخرة خالية، وأن السوط ليس خلفه، رفع نعاله في يديه، وانطلق.

كان يهرب من الصورة التي يريدون وضعه فيها، من النشيد الذي لا يشبه صوته، من الرئيس الذي فصل بينه وبين أبيه ببندقية في يوم من الأيام، ومن القاعة التي يريدون أن تكون “فسحة” لكنها ليست له، ومن سوط الأستاذ إسماعيل.

كان يجري نحو البيت، نحو المكان الوحيد الذي لا يحتاج فيه إلى الاصطفاف، ولا إلى نشيد، ولا إلى إذن ليكون نفسه.

وحين وصل إلى أول زقاق يعرفه، توقف. لم يكن يسمع صوت السوط، بل كان يسمع دقّات قلبه فقط.

نظر إلى نعاله في يديه، ثم لبسهما، ومشى ببطء. كان يشعر للمرة الأولى أن خطواته هي خطواته هو، وليست لأحد آخر.

وهكذا انتهى يوم الافتتاح بالنسبة لأكرم:

لم يرَ القاعة، ولم يرَ الرئيس، لكنه رأى الطريق الذي يمكن أن يهرب فيه من الصورة حين لا يريد أن يكون جزءاً منها.

#قصص #أدب #سرديات #ثقافة #ملف_الهدف_الثقافي #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.