أمجد السيد
كلما اعتقد السودانيون أن الح.رب ربما بلغت ذروة جنونها، جاءت الأيام لتؤكد أن المأساة ما تزال قادرة على إنتاج مشاهد أكثر قسوة. فالتطورات العسكرية الأخيرة لا توحي بأن أطراف الصراع تتجه نحو التهدئة، بل تشير إلى أن الجميع يستعد لجولة جديدة قد تكون أشد ضراوة وأكثر كلفة على الوطن والإنسان.
في الميدان، يواصل الجيش وحلفاؤه الإعلان عن تقدم في عدد من المحاور، بينما يرد الطرف الآخر بخطاب لا يقل تصعيداً، مؤكداً عزمه على مواصلة القت.ال ورفض أي ضغوط يراها انتقاصاً من أهدافه. وبين روايات الانتصار المتبادلة، يظل المواطن السوداني هو الخاسر الوحيد الذي لا يجد مكاناً آمناً يلوذ به، ولا مستقبلاً واضحاً ينتظره.
أخطر ما في المشهد ليس فقط احتدام المعارك، وإنما التحول في الخطاب السياسي والعسكري. فعندما تتحول الح.رب إلى معركة نكون أو لا نكون يصبح التراجع أصعب، وتضيق مساحة التسويات، ويزداد احتمال أن يطول أمد الصراع. وهذه اللغة، مهما كانت دوافعها، تعني عملياً أن المدنيين قد يدفعون ثمناً أكبر في الأيام المقبلة إذا لم تُفتح نافذة حقيقية للحوار.
وفي المقابل، يبدو المجتمع الدولي عاجزاً عن إنتاج مبادرة قادرة على فرض السلام. فالخلافات بين القوى الإقليمية والدولية، وتضارب المصالح، وتباين المواقف تجاه أطراف النزاع، كلها عوامل جعلت الملف السوداني ساحةً للتجاذبات أكثر منه قضية إنسانية تستوجب موقفاً موحداً. ولذلك لم تفلح الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار في تغيير مسار الأحداث على الأرض.
المؤشرات الحالية لا تسمح بكثير من التفاؤل. فإذا استمر التصعيد العسكري بالوتيرة نفسها، فإن السودان قد يشهد موجات جديدة من النزوح واللجوء، في وقت يعيش فيه ملايين المواطنين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة. فالقرى والمدن المنهكة لا تحتمل جولات إضافية من الق.تال، والأسر التي فقدت منازلها ومصادر رزقها لم يعد لديها ما تخسره سوى ما تبقى من الأمل.
وربما تكون المأساة الأكبر أن الح-رب لم تعد تستنزف الموارد فقط، بل تستنزف الزمن نفسه. فكل يوم يمر يبتعد السودان خطوة أخرى عن إعادة البناء، وتتسع الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، وتتعقد فرص التوافق الوطني. وما يُهدم في سنوات الح.رب لن يكون من السهل تعويضه حتى بعد أن تتوقف البنادق.
لكن، ورغم قتامة الصورة، فإن التاريخ يعلمنا أن الح.روب لا تستمر إلى الأبد، وأن أكثر الصراعات تعقيداً انتهت في نهاية المطاف إلى طاولات التفاوض. والسؤال ليس من ينتصر عسكرياً، بل متى يدرك الجميع أن استمرار الح.رب يعني خسارة السودان نفسه.
إن مسؤولية إنقاذ الوطن لا تقع على عاتق الأطراف المتحاربة وحدها، بل هي مسؤولية كل القوى الوطنية، وكل صاحب رأي، وكل من يؤمن بأن السودان أكبر من أي خلاف، وأبقى من أي معركة. فالصمت أمام استمرار هذه المأساة لم يعد حياداً، بل صار جزءاً من المشكلة.
رسالتنا إلى السودانيين هي ألا يسمحوا لليأس بأن ينتصر. صحيح أن أصوات المدافع تبدو اليوم أعلى من أصوات العقل، وأن رائحة البارود تطغى على كل حديث عن السلام، لكن إرادة الشعوب كثيراً ما انتصرت حين عجزت البنادق عن صناعة المستقبل.
ويبقى الأمل قائماً، لا لأن الطريق سهل، بل لأن البديل أكثر قسوة. فإما أن ينتصر صوت الحكمة قبل أن تتسع دائرة الخراب، وإما أن يواصل السودان دفع فاتورة ح.رب لا يبدو أن أحداً سيكون رابحها الحقيقي.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع حقيقة لا تحتمل التأويل: لا جيش يستطيع أن يبني وطناً بالح.رب وحدها، ولا قوة مسلحة تستطيع أن تحكم بلداً مدمراً، ولا مجتمع دولي يستطيع أن يمنح السودانيين وطناً بديلاً عن وطنهم. والسلام ليس هزيمة لأحد، بل هو الانتصار الوحيد الذي يستحقه السودان.

Leave a Reply