حين تعجز الإحصاءات والأرقام عن تفسير كرة القدم

صحيفة الهدف

سفريوي محمد

كاتب من المغرب

لا أدعي أنني أفهم كرة القدم، كما أعترف أنني لست مهتمًا بها اهتمامًا خاصًا. فأنا مجرد متفرج أبحث عن لحظات تسلية وترفيه. لذا فهذا ليس تحليلًا رياضيًا، ولا سعيًا لإثبات من هو الأفضل بالأرقام، ولا دفاعًا عن منتخب أو لاعب. إنه مجرد نص يبحث عن تفاعل ما مع شيء لا تستطيع كاميرات التتبع التقاطه، ولا تستطيع الإحصاءات تحويله إلى جداول ورسوم بيانية.

مقابلة كرة قدم، في النهاية، ليست ما يحدث داخل الملعب فقط، بل ما يحدث داخلنا نحن الذين نجلس في المدرجات أو أمام الشاشات، ننتظر جرعة من الدهشة، أو لحظة تذكرنا أن العالم يستعصي تفسيره بدقة ويقينية. وهنا يحلو لي استدعاء الأدب والشعر والفن عله يسعفني بقدر من الفهم.

يقال إن مايكل أنجلو، في لوحة “خلق آدم”، لم يكن يسعى لرسم لحظة الخلق بقدر ما كان يحاول الإمساك بتلك اللحظة المجهولة التي تسبقها: كيف يعبر العدم إلى الوجود؟ أو عالم المستحيل إلى الممكن…، وكيف تكفي مسافة لا تكاد تُرى بين إصبعين ليصبح الكون مختلفًا؟

في عالم كرة القدم يحدث شيء يشبه ذلك. فالقدرة لا تحدها الممكنات في كثير من الحالات.

الملعب، في ظاهره، أكثر الأمكنة خضوعًا للنظام. خطوط مرسومة بدقة، قوانين لا تتغير، زمن محسوب بالثواني، واثنان وعشرون لاعبًا يتحركون داخل مساحة معلومة. كل شيء يبدو قابلًا للقياس والمنطق. لكن، في لحظة ما، ينشق هذا النظام عن شيء لا يخضع لأي قانون. ويذكرنا أن المستحيل قد يصبح ممكنًا ودون أن نسقط في المستحيل العقلي أي الجمع بين النقيضين.

لمسة واحدة، مراوغة لا تسبقها فكرة أو إرادة، تمريرة لا يمكن أن تكون نتيجة حساب، قرار يولد قبل أن يكتمل الوعي به. لحظة تبدو وكأن الزمن نفسه قد تباطأ ليمنح لاعبًا واحدًا فرصة أن يرى ما عجز الآخرون عن رؤيته.

هناك تبدأ اللغة الرياضية ومعها المنطق في فقدان مفرداتها.

قد تخبرنا الإحصاءات بعدد اللمسات، ونسبة الاستحواذ، وسرعة الركض، واحتمالات التسجيل. لكنها تعجز عن تفسير لماذا اهتز آلاف الناس في اللحظة نفسها قبل أن تدخل الكرة المرمى. وتعجز عن تفسير ذلك الصمت الذي يسبق الدهشة، ثم الانفجار الجماعي الذي يجعل غرباء لا يعرف بعضهم بعضًا يتعانقون كأنهم يتشاركون ذكرى قديمة.

ولعل الأدب اللاتيني كان أقرب إلى فهم هذه اللعبة من بعض المحللين الرياضيين.

فالواقعية السحرية عند غابرييل غارسيا ماركيز لم تكن هروبًا من الواقع، بل كانت تقول إن الواقع نفسه أوسع من أن يُختزل فيما تراه العين. كانت تجعل المعجزة تبدو حدثًا عاديًا، وتجعل المستحيل جزءًا من الحياة اليومية، حتى لا يعود السؤال: هل وقع هذا؟ بل: كيف كنا نظن أنه لن يقع؟

ففي الصورة الشهيرة لميسي وهو يلاعب الطفل يامال في حوض استحمام، قد لا تبدو مصادفة استثناء، بل طريقة خفية يكتب بها القدر حكايته، كما لو كان المستقبل يقتحم أو يسافر إلى الماضي ليحكي لنا ما سيكون حاضرنا.

وهكذا بدا لنا مثلًا منتخب يقوده ميسي في هاته البطولة. مسار متعثر ولكنه عنيد، مصر أن يبلغ النهائي أمام منتخب يتواجد فيه ذلك الطفل.

لعب الأرجنتينيون بطريقة خارج قوانين كرة القدم، بل جعلوا تلك القوانين نفسها تبدو وكأنها تتسع لهم وحدهم. فعندما يتحرك ميسي بالكرة، لا يبدو كمن يراوغ مدافعًا فقط، بل كمن يفاوض الزمن، ويقنعه أن يمنحه ثانية إضافية لا يراها أحد سواه. وكأن الملعب كله يتحول إلى فضاء تتداخل فيه الذاكرة والحدس والخيال، فتغدو التمريرة كشفًا، والمراوغة سؤالًا، والهدف خاتمة قصة. ميلاد أسطورة جديدة سجلتها كاميرا قبل تسعة عشر سنة.

ولذلك، فإن متعة كرة القدم لا تأتي من النتيجة وحدها. لو كانت كذلك لكتفينا بقراءة النتائج في الصحف. ما نبحث عنه، في الحقيقة، هو تلك اللحظة النادرة التي ينجح فيها لاعب في أن يوقظ داخلنا دهشة الطفل الذي ما زال يؤمن بأن العالم يخبئ أسرارًا لا تُفسَّر كلها.

وربما لهذا السبب يبقى الفن وكرة القدم قريبين من بعضهما أكثر مما نتصور.

كلاهما يبدأ بقواعد صارمة، ثم يبلغ ذروته عندما يستطيع ولو لثانية واحدة، أن يكسر تلك القواعد، وأن يقدم شيئًا من عالم لا نعرفه، ليس ليغير نتيجة مباراة، بل ليذكرنا بأن الإنسان لا يعيش بالمنطق وحده، وأن الدهشة، مهما تقدم العلم، ستظل أجمل انتصار يحققه الخيال على اليقين.

وربما يقودنا هذا المنطق نفسه إلى فهم ظواهر إنسانية أخرى استعصت دائمًا على التفسير العقلاني الخالص. فكما تعجز الإحصاءات عن تفسير لحظة يراوغ فيها ميسي الزمن نفسه، تعجز الوقائع الجافة عن تفسير تلك الكيمياء الغامضة التي تجعل إنسانًا عاديًا يتحول إلى أسطورة تتجاوز حياته. مباراة كرة قدم دعوة للتأمل في تلك الشرارة التي تجعل بعض الشخصيات تبدو وكأنها خرجت من تخوم عالم الأساطير أكثر مما خرجت من كتب التاريخ.

لذلك لم يكن غريبًا أن تبدو شخصيات مثل تشي غيفارا، وإميليانو زاباتا، وبانتشو فيا، في المخيلة اللاتينية، أقرب إلى أبطال الواقعية السحرية منها إلى شخصيات يمكن اختزالها في التواريخ والوثائق. وكأنهم، مثل الكولونيل أورليانو بوينديا في مائة عام من العزلة، يسيرون في التاريخ بينما يتركون خلفهم أثرًا لا يخضع لقوانين التاريخ وحدها. فماركيز لم يكتب عن أمريكا اللاتينية لأنها قارة تعشق الخيال، بل لأنه رأى أن واقعها نفسه كان أغرب من الخيال، وأن ما عاشته شعوبها من حروب وثورات وأحلام كان يحتاج إلى لغة تتسع للمعجزة بقدر ما تتسع للوقائع.

وربما لهذا السبب أيضًا لا تكفي الرياضة أن تُقرأ بالأرقام وحدها، ولا يكفي التاريخ أن يُقرأ بالوثائق وحدها. فبينما يخبرنا المؤرخ بما حدث، ويحكي لنا المحلل كيف حدث، يبقى الأدب وحده قادرًا على الاقتراب من السؤال الأصعب: كيف يشعر الإنسان وهو يعيش لحظة تبدو أكبر من حدود الممكن؟ تلك اللحظة التي يتكثف فيها الزمن، ويتداخل الواقع بالخيال، ويغدو المستحيل، ولو لثوانٍ قليلة، أمرًا طبيعيًا تمامًا.

#سفريوي_محمد #مقالات_رياضية #فلسفة_كرة_قدم #كأس_العالم_2026 #الواقعية_السحرية #ميسي #الهدف_الرياضي #أدب_ورياضة #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.