✍🏽خالد ضياء الدين
انشغلنا بالح.روب، وبصراع المزارعين والرعاة، المركز والهامش، وبـ”قبيلتي وقبيلك”، و”أنا أحَرّ منك”، وذاك وديك…لدرجة الجلوس في الطرقات لمراقبة الناس، حتى أخذنا الزمن وتسرب كما تتسرب الماء من الكف، بينما الدنيا من حولنا تتغير وتتقدم.
وما يزال صوت خليل فرح يرن في آذاننا: “عازة قومي.. البنات فاتوك”… لكننا بدل أن نقوم، أدخلنا أصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع صوت الحقيقة، ولا نواجه وجعنا. فاستمر بكاؤنا منذ الممالك الأولى، وبقي الفرح مدفونًا تحت الأرض، يحتاج إلى من يستخرجه، لا إلى من يدفن أخاه بعد تمثيل مأساة هابيل وقابيل.
نحن وين؟ وجيراننا من الدول الحوالينا وين؟
مصر التي خرجنا معها من تاريخ مشترك، وكنا “ندادة” في الاستقلال أو كما يسموه هم الجلاء، تجاوزتنا في مجالات كثيرة، رغم أننا كنا من أوائل الدول التي نالت استقلالها إلا أننا مانزال رهن إشارة الاستغلال الاقتصادي. إثيوبيا التي كان السودان لها أرضًا وملجأ لكثير من أهلها وبوابة رزق وحياة، أصبحت اليوم تنتج وتصدر وتبني مشاريع كبرى، بينما نحن ما زلنا نستهلك طاقتنا في الصراع.
عجيب أمرنا ونحن نرفع أصواتنا بالهتاف: أضربوا الكبري، أقصفوا المصفاة، حاصروا الأبيض، أجهزوا على البشر في الفاشر(ماتخلي فيها نفاخ النار).. وكأن تدمير ما تبقى من الوطن أصبح أسهل من بنائه. ثم بعدها نتباكى على غلاء الوقود وقطوعات الكهرباء والمياه وارتفاع الأسعار، مش دي شورتكم..أها خمو وصرو.
جنيهنا فقد قيمته حتى أصبح لا يكاد ينافس عملات جيراننا، والدولار أصبح حديث الناس وهاجس حياتهم. فأي مستقبل يمكن أن نبنيه إذا أصبح المواطن عاجزًا عن توفير أبسط احتياجاته؟
منذ الاستقلال ونحن نبحث عن طريق للاستقرار السياسي والاقتصادي، لكن صراع السلطة، ورفض التداول السلمي للحكم، وتدخل المؤسسة العسكرية في السياسة، إضافة إلى عجز القوى المدنية عن إدارة التجارب الديمقراطية وتحقيق تطلعات الناس، كلها عوامل راكمت أزماتنا.
والأصعب أننا لم ننجح حتى في الاعتراف بحجم إخفاقاتنا، فبقينا ندور في الحلقة ذاتها.
بلاد الذهب لا يستطيع فيها شاب موظف أن يشتري لخطيبته دبلة! بلاد سُمّيت يومًا بسلة غذاء العالم يأكل بعض أهلها صفق السدر ليسدوا الرمق، ويموت أطفالها من سوء التغذية.
بلاد المرعى وملايين رؤوس الماشية فيها ملايين الفقراء لايتذوقون طعم اللحم بالأشهر والسنيين لعدم قدرتهم على الشراء!
كيف يستسيغ إنسان حصار إنسان آخر؟
كيف يصبح منع الطعام والماء وسيلة في صراع بين أبناء الوطن الواحد؟
كيف نستهدف دوانكي المياه، أو نعرض الفتيات والصبيان والدواب لخطر الموت وبتر الأطراف أثناء سعيهم لجلب الماء؟
المشكلة أننا ما زلنا أسرى لعقلية “قبيلتي وقبيلك”، منطقتي ومنطقتك، انتو ونحن وديلاك، فيصبح الوطن في المرتبة الثانية بعد القبيلة وخشم البيت وأخوي لزم، فتتراجع فكرة الدولة أمام الولاءات الضيقة.
ولأننا وصلنا إلى هذه الحالة، أصبح ألم بعضنا بعيدًا عن إحساس البعض الآخر. لا يشعر كثيرون بمأساة النيل الأزرق، كما لا يحرك حصار الأبيض مشاعر الجميع، وكأننا تحولنا إلى جزر منفصلة، لا شعبًا واحدًا في أرض واحدة.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن؛ أن يفقد الناس إحساسهم ببعضهم.
ثم على هامش المأساة وفي قلبها تتصاعد الأسئلة..
أين مشروع الجزيرة؟
أين السكة الحديد؟
أين مصانع النسيج؟
أين مصانع السكر وتعليب الفاكهة والألبان؟
أين تلك الدولة التي كان يمكن أن تكون؟
وأين الشعب المسكين من كل هذا؟
الشعب وين؟
“التفتُ، لا أكاد ألمح وجهًا كوجه أبي.”
وديتو البلد دي لي وين؟
استدراك…ودينا البلد دي لي وين؟

Leave a Reply