الشـ.رارة التي أشعلت الوطن: “الترس يكسر الخوف: من عطبرة للنت المقطوع 19 ديسمبر 2018 – 5 أبريل 2019”

صحيفة الهدف

أيمن عبد الغفار سعيد

الرفاق والأصدقاء، التاريخ لا يُكتب في القصور، التاريخ يُكتب في المدرجات والشوارع. ومن 19 ديسمبر 2018 حتى 11 أبريل 2019، السودان كلو رأى بعينه إنو الطالب السـ.وداني لمن يترك الكراس ويحمل اللافتة، الديكتاتور يسقط. الحركة الطـ.لابية ما كانت طرفاً في ثورة ديسمبر، كانت هي الثورة ذاتها، ولو رجعنا بالزمن خطوة خطوة بنلقى المشهد واضحاً كالشمس.

الملحمة بدأت يوم 19 ديسمبر 2018 في عطبرة لما الناس طلعت عشان سعر العيش، لكن النار اشتعلت سريعاً وانتشرت. في نفس اليوم، طـ.لاب جامعة كردفان في الأبيض نزلوا شارع المطار، وطلاب كلية الهندسة جابوا مواسير وحاويات وقفلوا الشارع قدام تاتشرات الأمـ.ن وسموها “ترس”. لمن الأمـ.ن طلب فك الترس، ردّ الطـ.لاب إنو التتريس ده درس عملي في مقاومة الديكتاتورية وأنظمة الاستبداد والقمع.

الفيديو انتشر والفكرة صارت عدوى، بعد أسبوع الخرطوم وبحري وأم درمان كلها صارت متاريس، والتكتيك ده أربك الأمـ.ن تماماً. 20 ديسمبر، طـ.لاب جامعة الخرطوم في “السنتر” طلعوا أول موكب داخل العاصمة وهتفوا “عطبرة الأبية ثورتك ثورة حرية”، الأمـ.ن ضـ.رب بمبان في شارع الجمهورية فالطـ.لاب انسحبوا جوا الجامعة واعتصموا في الحوش، ودي كانت أول ساحة اعتصام مصغرة قبل ما الناس تعرف يعني شنو قيادة عامة. عشان الرفاق في الهامش ما عندهم ما يخسروه، المركز كان خائفاً لكن الأقاليم كسرت حاجز الخوف، كردفان قدمت “نظرية الترس” للسودان كلو، الترس ما كان حاجز حديد، كان إعلاناً إنو الشارع ده حقنا نحنا ما حق التاتشر.

25 ديسمبر 2018، موكب الكريسماس وأول اختبار حقيقي للتنظيم الطـ.لابي. لجان ميدان كلية الطب جامعة النيلين نشرت ست نقاط إسعاف من شارع القصر لحد كبري المك نمر، الطـ.لبة لابسين بالطو أبيض وشايلين شنط الإسعاف وبعالجوا المصـ.ابين في نص البمبان والرصـ.اص المطاطي. الطـ.البات بقوا أيقونة الثورة وهم واقفين فوق العربات وشايلين شنط الإسعاف فوق راسهم، الصور دي لفت الدنيا كلها وورّت العالم إنو البت السـ.ودانية ما “كنداكة” ساي، دي خط الدفاع الأول. في نفس الأيام طلاب كلية الإعلام في النيلين والخرطوم شغلوا غرف عمليات إعلامية، بهرّبوا الفيديوهات وبديروا الهاشتاقات #تسقط_بس و #SudanUprising، الإعلام الطـ.لابي كان سلاحاً أقوى من الرصـ.اص لأنو كسر حاجز التعتيم وخلّى العالم كلو يتابع لحظة بلحظة. ظهور الطـ.البات في الصفوف الأولى ما كان صدفة، النظام بنى سلطتو على الذكورة السياسية فجأة لقى البت السـ.ودانية واقفة في وش البنـ.دقية، دي كانت ضـ.ربة في صميم الأيديولوجيا بتاعتو عشان كده الكنداكات بقوا كابوسو.

1 يناير 2019، النظام قطع النت قايلاً إنو كده حيعمي الناس، لكن طلاب تقنية المعلومات في العاصمة والأقاليم شغلوا شبكات بديلة ووزعوا أكواد VPN مجانية، وهرّبوا اللايفات والفيديوهات للقنوات العالمية، ولولاهم مجزرة القيادة كان ممكن تعدي في الظلام ساي. الطـ.لاب أثبتوا إنو قطع النت ما بقطع الوعي، وإنو الشبكة الحقيقية كانت شبكة الطـ.لاب البتوصل الخبر من يد ليد ومن حي لحي. قطع النت كان اعتراف من النظام إنو خسر معركة السرد، الطـ.لاب فهموا إنو الصورة سلاح، كل فيديو بهرّبوه كان طلقة في قلب الدعاية الحكومية فالمعركة اتحولت من الشارع للسيرفر.

الرفاق والأصدقاء، لازم نقف عند الشهـ.داء لأنو ديل ما أرقام في ورق، ديل رفيقاتنا ورفاقنا الدفعوا التمن دماً. من الشهـ.داء الطـ.لاب: محمد الحسن طالب قانون جامعة وادي النيل استشهد 19 ديسمبر 2018 في عطبرة أول شهـ.يد في الثورة، بابكر عبد الحميد طالب طب جامعة الجزيرة استشهد 20 ديسمبر 2018 في مدني، شهـ.يد من جامعة كردفان استشهد 2016 في الأبيض وهو بدافع عن حرية التنظيم الطـ.لابي، أبوبكر حسن طالب هندسة جامعة كردفان استشهد وهو بدافع عن اتحاد جامعة كردفان (الأمـ.ن حاصر مبنى الاتحاد قاصداً حرقه ومصادرة مستندات الطـ.لاب فوقف مع زملائه في الباب ومنعهم واستشهد قدام البوابة)، حسن عوض طالب هندسة جامعة كردفان استشهد 2 يناير 2019 في الأبيض أثناء المواكب، مصعب الطيب طالب تربية جامعة أم درمان الإسلامية استشهد 9 يناير 2019 في بري، عمر العباس طالب اقتصاد جامعة الخرطوم استشهد 17 يناير 2019 في أم درمان وهو ماسك يافطة “تسقط بس”، محجوب التاج طالب طب جامعة النيلين استشهد 28 يناير 2019 وهو بعالج مصـ.اباً في موكب بحري، عبد العظيم محمد طالب علوم جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا استشهد 25 فبراير 2019 في شمبات. كل اسم كان عنده حلم وكتاب ومستقبل، النظام قتـ.لهم عشان خاف من فكرتهم، التضحيات دي ما بتموت، بتقعد في وجدان كل رفيق جاي وبتبقى منارة للأجيال الجاية. دم الشهـ.داء ما راح ساي، كل شهـ.يد خلق 100 ثائر جديد، النظام لمن يقتـ.ل طالباً بكون بخلق أيقونة، عشان كده القمـ.ع زاد التصاق الناس بالثورة، دي معادلة النظام ما قدر يحلها، كل ما تقتـ.ل بنكتر.

القمـ.ع كان مركزاً على الطـ.لاب لأنو النظام عارف إنو كسر الطـ.الب يعني كسر الثورة، جامعة الخرطوم أُغلقت من 20 ديسمبر لحد أغسطس 2019، النيلين قفلت أربعة شهور، كردفان قفلت مرتين، وبيوت الأشباح امتلت بخلايا المقاومة الطـ.لابية، وطلاب كتار قعدوا شهور بيتعذبوا عشان اعترفوا منو الكتب “تسقط بس” في الحيطة، وأكتر من ثلاثمئة طالب اتفصلوا تعسفياً من جامعاتهم. التعذـ.يب والفصل والاعتقال ما وقف الطـ.لاب بالعكس خلاهم أشرس وأوعى، لأنو الطـ.الب لمن يدوق الظلـ.م بعرف قيمة الحرية أكتر من أي زول.

لازم نوضح نقطة مهمة يا رفاق، لمن نذكر الخرطوم والنيلين وكردفان والسودان ديل أمثلة بس ما حصر، الثورة كانت طـ.لابية في كل شبر، جامعة الجزيرة، وادي النيل، عطبرة، البحر الأحمر، بورتسودان، أم درمان الإسلامية، الدلنج، الفاشر، نيالا، القضارف وكل الجامعات الخاصة والحكومية، كل جامعة كان فيها خلية مقاومة ولجنة ميدان وطلاب استشهدوا واتصابوا واتسجنوا، فالحركة الطـ.لابية ما جامعة معينة، الحركة الطـ.لابية مليون طالب وطالبة من حلايب لحد الجنينة. جامعة وادي النيل في عطبرة كانت أول شرارة، جامعة البحر الأحمر في بورتسودان طلعت مواكب رغم القمـ.ع الساحلي، جامعة أم درمان الإسلامية رغم طابعها المحافظ وقفت مع الشارع، جامعة الدلنج والفاشر ونيالا في دارفور دفعت دم غالٍ عشان تثبت إنو الثورة ما عاصمة بس، وجامعة القضارف في الشرق ربطت بين المزارعين والطـ.لاب في مواكب موحدة.

55 يوم هزت العرش: “من القيادة للمجزرة: دولة داخل الدولة 6 أبريل 2019 – 30 يوليو 2019”

أبريل 2019، اليوم المفصلي في تاريخ السودان كلو. طـ.لاب جامعة الخرطوم دعوا لموكب “الكنداكة” من السنتر للقيادة العامة. الناس كانت قايلة حنعتصم ساعتين ونرجع، لكن الساعة خمسة مساءً والبوابة مقفلة، الطـ.لاب هتفوا: “يا عساكر أقيفوا معانا”، لحد ما الجيـ.ش فتح البوابة، ومن اللحظة دي قالوا: “ما بنقوم إلا البشيـ.ر يسقط”. نفس الليلة اتكونت لجنة تسيير اعتصام القيادة، وتمانين في المية منها طـ.لاب. اتقسمت لجان، كل لجنة عندها شغل مقدس: لجنة النظام والأمـ.ن ماسكنها طـ.لاب هندسة الخرطوم مسؤولين من التروس والحراسة، لجنة الإعلام ماسكنها طـ.لاب إعلام الخرطوم والنيلين بنقلوا للعالم 24 ساعة، لجنة الخدمات ماسكنها طـ.لاب زراعة وبيطرة الخرطوم مسؤولين من الموية والأكل، لجنة المسرح والمنتديات ماسكنها طـ.لاب آداب النيلين بيعملوا ندوات توعية كل ليلة، وخيمة القانون ماسكنها طـ.لاب قانون الخرطوم بدرسوا الناس يعني شنو دولة مدنية، والمستشفى الميداني كان شغال 24 ساعة بطـ.لاب طب الخرطوم والنيلين وابن سينا. القيادة العامة بقت جامعة مفتوحة، الصباح محاضرات وبالليل هتاف، والاعتصام قعد 55 يوم بسبب إصرار طـ.لاب السنتر. القيادة كانت نموذج الدولة البنحلم بيها، لا شـ.رطة لا نيابة، بس لجان طوعية بتنظم الملايين، ده دحض لأسطورة النظام: “من غيرنا البلد تضيع”، الطـ.لاب أثبتوا إنو الشعب قادر يحكم نفسو بنفسو.

أعتقد إنو الطـ.لاب نجحوا لخمسة أسباب متداخلة: أولاً: غياب مركز القيادة، النظام ما لقى رأس يقطعو، كل جامعة كانت رأس براها، دي شبكة ما هرم، تقبض مجموعة تلقى عشرة طلعوا. ثانياً: الشرعية الأخلاقية، الطـ.الب ما عندو مصلحة، ما داير كرسي ولا قروش، داير وطن، فالناس صدقتو ووقفت وراهو. ثالثاً: الابتكار المستمر، من الترس للـ “لايف” لخيمة القانون للمستشفى الميداني، النظام كان بيلحق وراهم خطوة وهم سابقنو بخطوتين. رابعاً: السلمية كفخ، الطـ.لاب جرّوا النظام لمنطقة السلمية وهناك النظام خسر، كل رصـ.اصة كانت بتجيب ألف متظاهر جديد، والصورة بتاعت البت بالبالطو الأبيض هزت العالم أكتر من ألف بندقية. خامساً: العابر للإيديولوجيا، في المدرج قاعد البعثي والمؤتمر السوداني والشيوعي والإسلامي والعلماني، العدو المشترك وحدّهم وخلق جبهة عريضة ما بتتكسر.

الطـ.الب السـ.وداني أثبت إنو ما بتاع كراس وقلم بس، هو بتاع تنظيم وتضحية وابتكار، هو الابتكر الترس وخلاه لغة مشتركة بين كل الأحياء، وهو العمل المستشفى الميداني في قلب الميدان بلا إمكانيات، وهو الكتب الدستور الانتقالي في خيمة القانون وشرحو للناس البسطاء، وهو الثبت 55 يوم جعان وعطشان وصابر لحد ما البشيـ.ر سقط. الطـ.الب كان بيصحى الصبح يمسح البمبان، الظهر يأمن الموكب، بالليل يحرس الترس، وبعد نص الليل يقعد في ندوة سياسية يتعلم يعني شنو مواطنة ويعني شنو عدالة انتقالية، دي مدرسة ما بتتدّرس في أي منهج.

الحركة الطـ.لابية علمتنا إنو التغيير ما بيجي من فوق، التغيير بيجي من القاعدة، من المدرج، من الشارع. الأنظمة الديكتاتورية ممكن تشتري جنرال وممكن تسكت قناة، لكن مستحيل تشتري مدرج كامل، لأنو المدرج ده مصنع وعي ومصنع رجال ومصنع ثورات. كل مرة يقفلوا جامعة، الطـ.لاب بيفتحوا شارع، وكل مرة يعتقلوا مجموعة، بتطلع مجموعة أكبر، دي معادلة النظام ما قدر يحلها.

وزي ما قالوها الرفاق في كل الجامعات بصوت واحد: “نحن ما طالعين عشان نفسنا، طالعين عشان الأجيال الجاية تقرأ في جامعة حرة، تقرأ في وطن ما فيهو خـ.وف ولا اعتقال ولا فصل تعسفي”. فأي زول داير يفهم سر السـ.ودان ما يمشي القصر الجمهوري، يمشي أي جامعة في أي ولاية ويقف قدام الحيطة ويسمع صدى هتاف “تسقط بس” لسه بيلف في الحيطان، لأنو دي ما كانت ثورة عاصمة، دي كانت ثورة وطن كامل بدت بقلم طـ.الب. القلم ده كتب على الحيطة وكتب على الأرض وكتب في التاريخ إنو الشعب أقوى والردة مستحيلة.

الحركة الطـ.لابية كانت العقل المدبر والقلب النابض واليد الحارسة لثورة ديسمبر، من أول يوم في عطبرة لحد آخر يوم في القيادة، الطـ.لاب كانوا في المقدمة، ضحوا، نظموا، ابتكروا، صبروا ووروا الدنيا كلها إنو السـ.ودان ده ما بينكسر. والتاريخ حيفضل يذكر إنو الطـ.لاب هم الحموا الثورة من السرقة، وهم الحافظوا على سلميتها، وهم الدفعوا تمنها دم وعرق ودموع عشان بكرة يبقى أحسن. مهند الضي طالب هندسة جامعة الخرطوم استشهد 6 أبريل 2019 نفس يوم دخول القيادة، حنين محمد طالبة آداب جامعة النيلين استشهدت 3 يونيو 2019 في مجـ.زرة القيادة وهي بتسعف المصـ.ابين، إسلام الأمين طالبة صيدلة جامعة الخرطوم استشهدت 3 يونيو 2019 في مجـ.زرة القيادة، عثمان دفع الله طالب زراعة جامعة كردفان استشهد 30 يوليو 2019 في مجـ.زرة الأبيض.

الرفاق، إذا كان الترس كسر خـ.وف 30 سنة، والكنداكة كسرت صمت العالم، فالطـ.لاب كسروا أسطورة إنو التغيير مستحيل. الثورة ما انتهت بسقوط البشيـ.ر، الثورة بدت يوم الطـ.الب فهم إنو القلم أقوى من البنـ.دقية، وإنو المدرج مصنع مستقبل. ما ضاع دم الشهـ.داء، وما ضاع صبر 55 يوم، لأنو البذرة الانزرعت في القيادة لسه بتنبت في كل شارع وكل جامعة. الرسالة واضحة: من يمسك القلم اليوم هو من يرسم السـ.ودان غداً. فاحفظوا الدرس يا رفاق، الطريق طويل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.