بقلم: أبوبكر ضياء الدين
الجزء الثالث:
في الأجزاء السابقة تناولنا (جغرافية) السودان وأثرها في التوزع السكاني وما ترتب من ذلك، وتناولنا حقيقة القوى السياسية وتأثيرها في الشأن الوطني، وتعرضنا لخطورة وجود (التنظيم المتأسلم) على الشأن العام والسلم المجتمعي، والأمن الوطني والقومي.
عبر تراكم نضالات وتضحيات الشعب وقواه الطليعية ضد (سلطة المتأسلمين العسكرية)، جاءت انتفاضته الشعبية العظيمة في ديسمبر ٢٠١٩ بزخم سلميتها، حيث تميزت عن الانتفاضات السابقة في تاريخنا الوطني بنقطتين أساسيتين وجب الوقوف عندهما:
١/ هذه الانتفاضة الشعبية لم تبدأ من المركز (الخرطوم/العاصمة)، حيث السلطة الظالمة والوجود الكبير للقوى السياسية المنظمة..!!… الأمر الذي يعني اندياح وعي التصدي للمعاناة وأزمة الوطن، وأن روح المبادرة تحررت من (القيود التقليدية) في (الممارسة النضالية)…
٢/ ارتبط الأمر الأول بزخم ومشاركة غير مسبوقة من الشباب من الجنسين، مع مشاركة أوسع للمرأة بكل أحوالها العمرية والوظيفية، وأضم في هذه (الوظيفية – ست البيت)… إذ بالمشاركة الواسعة للشباب والمرأة حدث الاندفاع الواعي والإصرار المؤمن بالنصر، وحضرت المبادرة المبدعة في الاستفادة القصوى من وسائل التواصل الحديثة مع (مهماز) الإرث التاريخي (الزغرودة) كتعبئة وتعبير وإعلان لساعة الصفر والانطلاق نحو تحقيق:
(الحرية والسلام والعدالة)… فكان الوعي الشامل حاضراً في الهتاف (يا عنصري ومغرور.. كل البلد دارفور)، مثلما حضر (وعي الضرورة الحاسمة) والقاطع بـ(كل كوز ندوسو دوس)….
إذن زخم الشباب والمرأة، أصحاب الوجع والأزمة التي جعلت الأفق ينكفئ والمستقبل مظلماً ومجهولاً، هؤلاء هم من غاب وجودهم الفاعل وصوتهم الحاسم في (الفترة الانتقالية)..!!! وحتى في تمثيل القوى السياسية، أو حتى التحدث باسمها، وهم من ملأوا الشوارع بوجودهم وتخطيطهم ومبادراتهم وتضحياتهم، وهم من حولوا بصوتهم الوسائط إلى مساحات للتفاعل النضالي وتبادل التجارب، وهم من عبروا بالفعل عن (وحدة النضال الشعبي في أبهى تجوهرها). غاب هذا الوجود، واحتلت المنابر وجوه أخرى (تتقاسم الحد الأدنى من الفعل المرتجى)..!!
هذا الوصف للحال تداخل مع واقع (المؤسسة العسكرية)، التي مهر الشباب بالدم انحيازها للإرادة الشعبية، بل وقفوا بعزة البطولة وعهدها أمام (اللجنة الأمنية)، وفي أقل من ٢٤ ساعة حققوا بالوعي الفاعل ووضوح الرؤية نصرهم عليها، ولم يغادروا خنادق (الاعتصام) إلا حين الغدر بهم وسفك دمهم بلا مشيع، سوى (البكاء عليهم). وكل ما تم بعد ذلك غابوا عنه وغُيبوا منه، فقد كان (سياسة) لا (ثورة)..!!!
المهم.. جاءت (الفترة الانتقالية) بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وحدث عليها (الانقلاب العسكري)… والذي هو (صفحة) في (كتاب) ما خُطط ليكون السودان عليه، مثلما يشير الواقع وقراءته إلى أن ما يحدث الآن هو (صفحة) أخرى ضمن صفحات هذا (المخطط/الكتاب) الواجب (حرقه)…!!!
المهم… إذا كان ذلك (وصف المتأسلمين)، وتلك (الثغرات) التي فتحوها للتدخل (المخابراتي) الأجنبي، وقبلهما واقع المجتمعات وعزلتها، وذلك وصف القوى السياسية وحالها، وإذا كانت تلك انتفاضة الشعب (مشروع الثورة)، وكيف ذهبت إلى ما انتهت إليه وعليه..!!…..
أرى قد وجب عليَّ أن أطرح سؤالاً جوهرياً يتمثل في: هل رأت (المخابرات الدولية) أن سلطة المتأسلمين قد أدت دورها وخدمت أهدافهم من موقع السلطة، وحان وقت أن تخدم أهدافهم (المتقدمة) من مواقع أخرى؟! لذا سارت الأمور كما شرحت، وكما هي عليه الآن؟!
ذلك ما سأساعد على التمهيد له، وبداية تناوله في الجزء القادم.

Leave a Reply