طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليست كل الرموز تصنع في القصور، ولا كل الأفكار تولد في الكتب. فبعضها يولد في لحظة تاريخية يصبح فيها الإنسان مضطراً لأن يحول أبسط الأشياء إلى لغة كاملة، وأن يجعل من قطعة حديد فلسفة، ومن أداة مادية ضميراً وطنياً. وهكذا ولد الترس. فالترس لم يكن في أصله أكثر من قطعة معدنية تستخدم للإغلاق أو الحماية، لكنه في التجربة السودانية خرج من وظيفته المادية ليصبح إحدى أكثر المفردات السياسية والأخلاقية عمقاً في الوعي الشعبي. لقد انتقل من عالم الأشياء إلى عالم المعاني، ومن وظيفة الحماية إلى وظيفة الوعي. فالرموز العظيمة تقاس بالمعنى الذي تمنحه الشعوب لها.
ولهذا فإن الترس ليس حديداً، إنه موقف. وليس حاجزاً، بل حدود أخلاقية بين ما يجوز التفريط فيه وما لا يجوز.
الفلسفة القديمة كانت تقول إن الحضارات تبنى بالسيف. أما التجربة الإنسانية الحديثة فتقول إن الحضارات تبنى أولاً بالإرادة الجمعية. والترس هو تجسيد لهذه الإرادة. إنه إعلان بسيط يقول إن هناك أشياء لا يجوز أن تمر، مهما كانت القوة التي تدفعها. فليس كل إغلاق رفضاً. وأحياناً يصبح الإغلاق أعلى درجات المسؤولية الوطنية. فالترس لا يغلق الطريق أمام الناس، وإنما يغلق الطريق أمام التفريط.
لقد كانت الفكرة القومية العربية، في أرقى تجلياتها، ترى أن الأمة لا تصان بالسلاح وحده، وإنما بقدرة الجماهير على الدفاع عن مصالحها العليا كلما عجزت السلطة أو انحرفت عنها. ومن هذا المنظور يصبح الترس، تجسيداً لفلسفة النضال الشعبي الإيجابي، فهو لا يهدف إلى هدم الدولة، بل إلى حماية الوطن، ولا يسعى إلى تعطيل الحياة، بل إلى منع نهب مقدراتها، ولا يواجه شعباً بشعب، بل يقف حاجزاً أمام كل ما ينتقص من السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. وهنا يغدو الترس رمزاً عربياً عاماً لكل فعلٍ شعبي مسؤول يضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الضيقة، ويجعل من المواطن شريكاً في حماية الوطن والأمة لا مجرد متلق لقراراتها.
ولذلك فإن فلسفة الترس ليست فلسفة احتجاج فقط، بل فلسفة حماية. حماية الأرض. وحماية الثروة. وحماية القرار الوطني. وحماية المستقبل. فحين يشعر الشعب أن مؤسسات الدولة لم تعد قادرة على حماية مصالحه، يتحول المجتمع نفسه إلى حارس. وليس في ذلك خروج على الدولة، بل تذكير لها بوظيفتها الأصلية.
الفلسفة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى معنى. فالترس لم يعد قطعة حديد، كما لم تعد الراية مجرد قطعة قماش، ولا أصبحت الحدود خطوطاً على الخرائط. فالأشياء تتحول إلى رموز حين تستقر في الوعي الجمعي، وتصبح قادرة على تمثيل قيمٍ أكبر من مادتها. ولذلك فإن الشعوب لا تدافع عن الأشياء لذاتها، وإنما عن المعاني التي تجسدها.
لقد ارتبط الترس في الذاكرة السودانية بانتفاضة ديسمبر الثورية 2018م، حيث كان رمزاً لحماية المعتصمين، لكنه اليوم يكتسب معنىً جديداً. فالمعركة لم تعد فقط من أجل حماية الثورة، وإنما من أجل حماية الوطن نفسه. فأصبح السؤال: لمن تنتمي الثروة؟ ولمن يكون القرار؟ ولمن تكون السيادة؟ وهنا ينتقل الترس من الرمز السياسي إلى الرمز الاقتصادي.
والثروات ليست مجرد أرقام في الموازنة العامة. إنها الذاكرة الاقتصادية للوطن. وحين تخرج المواد الخام من البلاد دون قيمة مضافة، لا يخرج الذهب وحده، ولا الصمغ العربي وحده، ولا المحاصيل وحدها، وإنما يخرج معها جزء من المستقبل. ولهذا فإن الدفاع عن الثروة الوطنية ليس قضية اقتصادية فقط، بل قضية أخلاقية. فالمال العام ليس ملك الحكومة. ولا ملك حزب. ولا ملك جيل واحد. إنه ملك الذين رحلوا، والذين يعيشون، والذين لم يولدوا بعد.
ومن هنا تصبح مبادرة تُرس السودان أكثر من مبادرة مطلبية. إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والثروة. فالثروة ليست هبة تمنحها السلطة للمجتمع، وإنما أمانة يحملها المجتمع في مواجهة أي سلطة. وهذا هو جوهر السيادة. فالسيادة لا تُختزل في العلم والنشيد والحدود. السيادة تبدأ عندما يشعر المواطن أن من حقه أن يسأل: كيف تُدار موارد بلادي؟ ومن ينتفع بها؟ وأين تذهب عوائدها؟
وليس من قبيل المصادفة أن معظم الأمم التي نجحت في بناء نهضتها الحديثة بدأت أولاً بإعادة تعريف ملكية الموارد. لقد أثبتت التجارب الحديثة أن قيمة الموارد لا تقاس بحجمها، وإنما بقدرة المجتمع على تحويلها إلى إنتاج ومعرفة. فكثير من الدول الغنية بالموارد بقيت أسيرة التخلف، بينما نجحت دول محدودة الإمكانات في بناء اقتصادات قوية لأنها أحسنت إدارة الإنسان قبل إدارة الثروة. فاليابان لم تكن أغنى من غيرها. وكوريا الجنوبية لم تمتلك النفط. وسنغافورة لم تملك المساحات الزراعية. لكنها امتلكت شيئاً أهم: امتلكت الإرادة السياسية التي جعلت الثروة وسيلة لبناء الإنسان، لا وسيلة لإثراء النخب. ولهذا فإن قيمة الموارد ليس بحجمها تحت الأرض، وإنما بطريقة إدارتها فوق الأرض.
إن الترس، في معناه الأعمق، ليس دعوة إلى الصدام، بل إلى اليقظة. وليس فلسفة تعطيل، بل فلسفة مساءلة. فالشعوب الحية لا تنتظر حتى تضيع ثرواتها، ثم تكتب بيانات الحزن. إنها ترفع صوتها قبل أن يتحول الخطأ إلى قدر. وقبل أن يصبح التفريط سياسة. وربما لهذا السبب تظل الرموز الشعبية أكثر بقاء من كثير من الشعارات السياسية. لأنها تولد من التجربة، لا من الدعاية. فالترس لا يطلب من المواطن أن يكون بطلاً خارقاً. إنه يطلب منه فقط ألا يكون متفرجاً. فالوطن لا يحرسه الجنود وحدهم. بل تحرسه أيضاً يقظة الناس، ووعيهم، وإيمانهم بأن السيادة ليست نصاً دستورياً، وإنما ممارسة يومية تبدأ من الدفاع عن كل ما يخص الوطن والأمة.
إن الأمم التي تفقد ثرواتها تستطيع أن تعوض بعضها. لكن الأمم التي تفقد إرادتها لا تستطيع أن تعوض شيئاً. ولهذا فإن أعظم ما يرمز إليه الترس ليس الحديد الذي صنع منه، وإنما الإنسان الذي حمله. فالحديد يصدأ. أما الوعي فلا يصدأ.
وإذا كان لكل شعب رمزه الذي يلخص تجربته التاريخية، فإن الترس في السودان ليس مجرد أداة حماية، بل إعلان فلسفي بأن السيادة ليست شعاراً يرفع، وإنما مسؤولية يتقاسمها الجميع، وأن الوطن لا يحرس بالسلاح وحده، بل بالوعي، وبالضمير، وبالاستعداد لأن يقف الشعب كله، متى اقتضى الأمر، ترساً يحول دون مرور كل ما يمس حريته وكرامته وثروته ومستقبله.

Leave a Reply